الشرع بزيه العسكري يؤم المصلين في “الأموي” .. قراءة في الدلالات السياسية والعسكرية وأبعاد “هدية الكعبة” 

266

الصافي نيوز – خاص

مشهد الفجر في الأموي

مع آذان الفجر في دمشق، تعالت من مآذن العاصمة وبقية المدن السورية «تكبيرات النصر» معلنة بداية إحياء الذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، فيما احتشد المصلّون في رحاب المسجد الأموي الكبير بوسط دمشق، بانتظار ظهور الرئيس السوري أحمد الشرع.

دخل الشرع المسجد مرتدياً ما بات يُعرَف سورياً بـ«زي التحرير»؛ وهو الزي العسكري نفسه الذي ظهر به قبل عام لحظة دخوله دمشق وإلقائه أول خطاب بعد انهيار النظام السابق، في استعادة مقصودة لصورة «القائد المنتصر» أمام الجمهور.

أمَّ الشرع المصلّين في صلاة الفجر، قبل أن يعتلي المنبر لإلقاء كلمة وصفتها وسائل إعلام رسمية بأنها «كلمة التحرير». وفي بداية خطابه استعاد ذكريات دخول قوات المعارضة المسلحة إلى دمشق، قائلاً إن الثوار «عنونوا تاريخاً جديداً للأمة بأسرها لحظة دخولهم العاصمة»، في إشارة إلى معركة «ردع العدوان» التي انتهت بسقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

وفي كلمة ذات لمسة دينية سياسية واضحة، توجه الشرع إلى السوريين قائلاً:

«أيها السوريون أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم، ولن تقف في وجهنا العقبات، وسنواجه جميعاً كل التحديات بإذن الله».

ثم انتقل للحديث عن مشروع إعادة الإعمار، متعهداً بأن تعود سوريا «قوية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها» عبر «بناء يليق بحاضرها وماضيها، وبحضارتها العريقة، وبطاعة الله ونصرة المستضعفين والعدالة بين الناس».

اللحظة الأكثر رمزية كانت عندما كشف الشرع عن قطعة من ثوب الكعبة المشرّفة وُضعت في أحد أركان المسجد الأموي، موضحاً أنها «هدية من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان»، وأن اختيار المسجد الأموي جاء «لتتحد الدول وتمتد أواصر المحبة والأخوة من مكة المكرمة إلى بلاد الشام»، على حد تعبيره.

وزارة الأوقاف كانت قد دعت قبل أيام إلى «صلاة فجر التحرير» في جميع مساجد البلاد، مع بدء «تكبيرات النصر» قبل الأذان بنصف ساعة، ليبدو المشهد منظَّماً على مستوى الدولة: تعبئة دينية واسعة متزامنة مع حضور الرئيس في أكثر مساجد سوريا رمزية.


أولاً: الدلالات الداخلية – بين شرعية الثورة وشرعية الدولة

  1. دمج صورة القائد العسكري بالحاكم الشرعي
    ظهور الشرع بالزي العسكري داخل المسجد الأموي، وهو في الوقت نفسه رئيس للجمهورية، يدمج عن قصد بين شرعية القوة المسلحة التي أسقطت النظام، وشرعية الدولة الجديدة التي تبحث عن تأطير ديني – مؤسسي لحكمها. خلفية الشرع كقائد سابق لـ«جبهة النصرة» ثم «هيئة تحرير الشام» قبل أن يقود العمليات التي أسقطت الأسد، تجعل هذه الرمزية أكثر وضوحاً: انتقال من زعامة فصيل مسلح إلى رأس هرم الدولة.

  2. استدعاء «خطاب الخلفاء» لطمأنة الداخل
    عبارة «أطيعوني ما أطعت الله فيكم» هي اقتباس مباشر من خطاب أبي بكر الصديق عند توليه الخلافة، وتُستخدم هنا لتقديم صورة «الحاكم المتقيد بالشرع»، في مواجهة مخاوف شريحة من السوريين من أن تتحول سلطة المنتصرين إلى نسخة جديدة من الاستبداد. الرسالة: الطاعة مشروطة، لكن المرجعية دينية وأخلاقية يعرّفها الحاكم نفسه.

  3. تكبيرات النصر كاختبار للسيطرة والتنظيم
    تعميم «تكبيرات النصر» على مختلف المحافظات، من دمشق إلى حمص واللاذقية وحماة وإدلب وحلب، يشي بدرجة عالية من التنسيق بين الشبكة الدينية والأمنية والإدارية في سوريا الجديدة، ويُقرأ كإعلان عملي عن سيطرة السلطة الجديدة على المجال الديني بعد أن كان لعقود أداة بيد نظام الأسد.

ثانياً: الرسائل العسكرية – من بندقية الفصيل إلى جيش الدولة

  1. الزي العسكري داخل الأموي: الجيش هو الضامن
    الإصرار على الظهور باللباس العسكري في مناسبة دينية/شعبية لا يشير فقط إلى خلفية الشرع، بل يلمّح إلى أن المؤسسة العسكرية الوليدة – المشكلة أساساً من فصائل المعارضة المدمجة – هي الضامن الفعلي للنظام السياسي الجديد. الرسالة للداخل: «السلاح ما زال هنا، لكنه بات سلاح الدولة».

  2. «لن يقف في وجهنا أحد»… تحذير مبطن
    الجملة المفتاحية في الخطاب – «لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم» – يمكن قراءتها على أنها تحذير للجيوب الموالية للنظام السابق، وللقوى المسلحة المنافسة (جماعات متطرفة، فلول موالية لإيران، بعض التشكيلات الكردية المتحفّظة)، بأن أي محاولة لعرقلة مسار السلطة الجديدة ستُواجَه بحزم عسكري.

  3. تثبيت رواية «عيد التحرير»
    تحويل يوم سقوط الأسد إلى «عيد تحرير» رسمي ذو طقوس دينية (فجر تحريري، تكبيرات، صلاة موحدة) يربط شرعية السلطة بحدث عسكري محدد؛ وهذا يجعل أي تشكيك بشرعية القيادة الجديدة بمثابة تشكيك بالنصر ذاته.

ثالثاً: الأبعاد العربية والإقليمية – كِسوة الكعبة كرسالة استراتيجية

  1. هدية الكعبة: ختم سعودي على المشهد الجديد
    إعلان أن قطعة ستار الكعبة هدية من ولي العهد السعودي ووضعها في المسجد الأموي أمام الكاميرات، يعني عملياً أن الرياض لم تكتفِ بقبول الأمر الواقع في دمشق، بل قررت الاستثمار رمزيّاً في شرعية القيادة الجديدة. إنها رسالة بأن سوريا ما بعد الأسد لم تعد ملفاً حصرياً لروسيا وإيران وتركيا، بل عادت بقوة إلى الفضاء العربي.

  2. ربط مكة بدمشق: هندسة سردية جديدة
    ربط الشرع بين مكة و«بلاد الشام» في خطابه، وتركيزه على امتداد «المحبة والأخوة» بينهما، ينسجم مع محاولة سعودية–سورية لصياغة سردية مشتركة: محور سني محافظ، يقف في مواجهة النفوذ الإيراني السابق، ويحاول في الوقت نفسه طمأنة الغرب بأن سوريا الجديدة جزء من منظومة إقليمية مسؤولة لا من محور راديكالي منفلت.

  3. رسائل مبطّنة لروسيا وإيران
    حضور الرمز السعودي في قلب المسجد الأموي، بعد عام واحد فقط من خروج القوات الإيرانية وتراجع النفوذ الروسي حسب تصريحات سابقة للشرع، يبعث برسالة واضحة بأن ميزان الرعاية الخارجية لسوريا تبدّل جذرياً، وأن «الملف السوري» لم يعد تحت احتكار موسكو وطهران.


رابعاً: ماذا تعني الصلاة في الأموي لمعادلات الإقليم؟

  1. سوريا لاعب مستقل أم رأس حربة جديدة؟
    خطاب الشرع الذي يركّز على «نصرة المستضعفين» و«العدالة بين الناس»، مقترناً بخلفيته القتالية وبالانفتاح العربي والدولي المتزايد على دمشق الجديدة، يطرح سؤالاً عن طبيعة الدور السوري المقبل: هل ستتموضع دمشق كدولة وطنية تحاول ترميم الداخل أولاً، أم كرافعة لمحور إقليمي جديد يمتد من أنقرة والدوحة إلى الرياض، مع حضور ثقيل لملف فلسطين والحدود مع الجولان في خلفية المشهد؟

  2. تأثير مباشر على إسرائيل ولبنان والأردن
    – على الجبهة الإسرائيلية، أي تثبيت لسلطة يقودها رجل قادم من بيئة «المقاومة الجهادية» سيُقرأ في تل أبيب كتحول استراتيجي مقلق، حتى لو تبنّى خطاب دولة أكثر براغماتية.
    – في لبنان، حيث يتراجع نفوذ دمشق القديمة لصالح معادلات جديدة، سيُراقَب خطاب الشرع بدقة من جانب حزب الله، الذي يرى في سقوط الأسد هزيمة لمشروعه الإقليمي.
    – أما الأردن وسائر دول الطوق، فسينظرون إلى مشهد الأموي باعتباره إعلاناً بأن «المرحلة الانتقالية» في سوريا دخلت طور تثبيت المؤسسات، بما يفتح الباب أمام نقاشات جدية حول الحدود، واللاجئين، وإعادة الإعمار، وأمن الجنوب السوري.

  3. خلاصة أولية
    صلاة أحمد الشرع في المسجد الأموي اليوم ليست مجرد مناسبة دينية أو احتفال رمزي بذكرى سياسية؛ إنها منصة لتثبيت ثلاث رسائل متوازية:

    • الثورة انتصرت لكنها تريد أن تتحوّل إلى دولة.

    • الجيش الذي حسم المعركة سيبقى حارس النظام الجديد.

    • سوريا تعود إلى الفضاء العربي من بوابة مكة والرياض، لا من بوابة طهران وموسكو.

بهذا المعنى، يمكن القول إن فجر اليوم في المسجد الأموي كان، بقدر ما هو طقس ديني، لحظة إعادة رسم لشرعية الحكم في دمشق وحدود اللعبة الإقليمية حولها.

قد يعجبك ايضا