العسكرة باسم المقاومة خطيئة متكررة
لماذا يتوجب رفض كل مظاهر العسكرة على الساحة الأردنية، ولو كانت بذريعة مناصرة المقاومة؟
الأمر لا يتعلق بالرغبة في الانسلاخ عن المحيط العربي، إنسانيًا وسياسيًا، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومأساة غزة. فمشاعر الأردنيين الصادقة تجاه فلسطين ليست محل مزاودة، بل هي ركن راسخ من وجدانهم وهويتهم. لكن الخطورة تكمن في المسار الذي يمكن أن تسلكه بعض المبادرات الفردية أو التنظيمية تحت راية “المقاومة”، والتي قد تنزلق من التعاطف والدعم المشروع إلى عسكرة المشهد الوطني، بما يحمل في طياته تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة وأمنها واستقرارها.
إن أي انزلاق نحو تشكيل مجموعات مسلحة، أو تنظيم التحركات على نمط الميليشيات، حتى وإن بدا الهدف نبيلًا، فإنه في الجوهر يحمل مشروعًا مدمرًا للدولة الأردنية. فالتاريخ السياسي للحركات العقائدية يُظهر أن سلاحًا يُرفع بزعم محاربة إسرائيل، قد يُعاد توجيهه بسهولة نحو الداخل في لحظة خلاف أو صدام مع الدولة. ومتى توافرت الأرضية العقائدية التي تبرر الخروج على الدولة باسم “الواجب الديني”، فإن الأولويات قد تتبدل، ويصبح “العدو القريب” أقرب من “العدو البعيد”.
ولعل النموذج الأوضح على خطورة هذا المنطق ما حدث عقب نكسة حزيران 1967. يومها، عبّر بعض رموز التيار الإسلامي عن ارتياحهم لهزيمة الجيوش العربية، ومنهم الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي سجد شكرًا لله بعد الهزيمة. ليس فرحًا بمأساة الأمة، بل لأنهم رأوا أن النصر، لو تحقق حينها، كان سيُسجّل لصالح التيارات القومية والمدنية، لا لصالح مشروعهم الإسلامي. وهذا بحد ذاته يعكس خللًا جذريًا في الأولويات والانتماء؛ حيث تصبح الأمة والوطن مجرد ساحة صراع لخدمة أجندة أيديولوجية.
في السياق، كشفت إحدى الوثائق المسربة حول التحقيقات مع الخلية الإرهابية التي أُعلن عن ضبطها مؤخرًا، عن تحركات ميدانية خطيرة شهدها الأردن في شهري شباط وآذار 2024، شملت إخفاء أسلحة وتدريبات ميدانية. وبينما كانت هذه الأنشطة تجري على الأرض، كانت تصريحات إسرائيلية تخرج في ذات الوقت، تُحذّر من “محاولات إيرانية لتحويل الأردن إلى ساحة مواجهة”، وفق ما صرّح به وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك. كما أعلنت إسرائيل عن تشكيل وحدة عسكرية جديدة متمركزة على الحدود الأردنية، بالتزامن مع تصاعد نبرة التهديد من قبل أوساط اليمين الإسرائيلي.
هذه المعطيات تشير إلى أن الأردن، كما إسرائيل، كان يرصد ويتابع بقلق هذه التحركات. فالمخاطر لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى إشعال جبهة مواجهة مع إسرائيل، لا يملك الأردن لا نواياها ولا إمكاناتها، ولا يصب ذلك في مصلحة الدولة ولا شعبها.
إن الدولة الأردنية، التي طالما ساندت فلسطين من موقعها الرسمي والشعبي، لا يمكن أن تسمح بتحول أراضيها إلى ساحة انطلاق لعمليات غير منضبطة، أو إلى غطاء لتنظيمات خارجة عن القانون. فمثل هذا التوجه لن يحرر فلسطين، بل سيدمر الأردن، ويستجلب ردود فعل غربية وإسرائيلية قاسية، في وقت يعاني فيه الإقليم من اختلالات شديدة في موازين القوى.
لهذا، فإن رفض العسكرة ليس موقفًا معاديًا للمقاومة، بل موقف مسؤول لحماية الوطن من الانزلاق نحو فوضى لا تبقي ولا تذر.
عبدالله بني عيسى
