خريطة الوظائف في الأشهر المقبلة: ما الذي يفعله الذكاء الاصطناعي بسوق العمل… ومن عليه أن يقلق؟

7

الصافي نيوز AI:

في كل دورة تكنولوجية كبرى، لا يبدأ التغيير بسقوط “المهن” دفعة واحدة، بل بتآكل المهام داخل المهن. وما يحدث الآن مع الذكاء الاصطناعي التوليدي هو تسارع غير مسبوق في إعادة توزيع المهام: مهام تُختصر إلى ثوانٍ، ومهام تتضاعف قيمتها لأنها أصبحت “آخر خطوة بشرية” قبل القرار. تقارير دولية تتحدث عن تعرضٍ واسع للوظائف عالميًا (قرابة 40% من التوظيف العالمي وفق صندوق النقد)، لكن الصورة الأكثر واقعية للأشهر القريبة تقول: التأثير الأسرع سيكون على الأعمال المكتبية والرقمية المتكررة، وعلى وظائف الدخول الأولى (Entry level).

أين يضرب أولاً خلال 3–9 أشهر؟

1) الوظائف المكتبية “الهادئة” داخل الشركات

الأعمال التي تقوم على: تفريغ بيانات، تلخيص مراسلات، إعداد عروض أولية، تقارير روتينية، إدخال/تدقيق، فرز بريد، نماذج موارد بشرية، فواتير… هذه تتلقى الضربة الأولى لأن الذكاء الاصطناعي يتعامل معها كـ“محتوى” قابل للأتمتة. منظمة العمل الدولية تضع المهن الكتابية/السكرتاريا في أعلى درجات الانكشاف، مع تأثيرات جندرية واضحة (النساء أكثر تمثيلًا في هذه المهن في دول الدخل المرتفع).

2) المحتوى التجاري العام “غير المتخصص”

كتابة وصف المنتجات، منشورات التسويق السريعة، نصوص SEO النمطية، إعادة صياغة الأخبار دون قيمة مضافة… هذا المجال شهد بالفعل ضغطًا قويًا في السوق، وهو ما تظهره قصص انتقال مهنيين إلى مسارات “أكثر مقاومة للأتمتة” خلال الأسابيع الماضية.

3) وظائف “المساعدة التحليلية” في القانون والمال والتقنية

ليس لأن الذكاء الاصطناعي صار محاميًا أو محاسبًا، بل لأنه ينجز بسرعة جزءًا كبيرًا من التحضير: بحث أولي، مسودات، مراجعات، مقارنة بنود، تلخيص ملفات… صندوق النقد يحذر من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن موجات الأتمتة السابقة لأنه يطال أيضًا وظائف عالية المهارة، وفي الاقتصادات المتقدمة قد يتأثر نحو 60% من الوظائف بدرجات مختلفة.

تغييرات سلبية وشيكة يجب أن يعرفها القراء

أ) “تآكل وظائف البداية” هو الخطر الأكبر

الوظائف التي كانت تُعلّم الخريج الشاب المهنة عبر مهام بسيطة (كتابة مسودات، تجهيز جداول، تلخيص تقارير، أعمال إدخال/تدقيق) قد تتقلص؛ وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط فقدان وظيفة، بل فقدان السلم الذي يصعد عليه الناس إلى الخبرة—وهو تحذير تكرر مؤخرًا في نقاشات دولية عن أثر الذكاء الاصطناعي على الشباب.

ب) موجات إعادة الهيكلة ستأتي “بتبرير الذكاء الاصطناعي”

تقارير تتبع تسريحات الشركات في الولايات المتحدة أظهرت ارتفاعًا كبيرًا في الإعلانات عن خفض الوظائف، مع ذكر الذكاء الاصطناعي ضمن الأسباب لدى عدد من الشركات، إلى جانب دوافع أخرى كخفض الكلف وإعادة ترتيب الأولويات.
وفي المقابل ظهر حديث متزايد عن “AI washing”: المبالغة في ادعاء تبني الذكاء الاصطناعي لتبرير تسريحات أو لتلميع الصورة. وهذا يعني أن القارئ قد يسمع عبارة “استبدلنا البشر بالذكاء الاصطناعي” بينما الواقع: استبدلناهم بتقشف + أدوات غير ناضجة بالكامل.

ج) ضغط على الأجور في بعض المسارات

صندوق النقد يميز بين نصف الوظائف “المكشوفة” التي قد تستفيد إنتاجيًا، ونصف آخر قد تُنفّذ فيه الأدوات مهامًا أساسية تقلل الطلب على بعض الأدوار أو تضغط أجورها.

تغييرات إيجابية وشيكة: أين تتولد الفرص؟

1) وظائف “تشغيل الذكاء الاصطناعي” داخل المؤسسات (AI Ops)

الطلب يتزايد على أدوار ليست بحثية عميقة، بل تشغيلية:

  • إدارة بيانات المؤسسة وجودتها وحوكمتها (Data governance)

  • أمن سيبراني وخصوصية وامتثال

  • إدارة منتجات الذكاء الاصطناعي وتكاملها مع العمليات
    المنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع نموًا سريعًا للمهارات التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأمن السيبراني.

2) “مهن خضراء” ومهن الطاقة

حتى مع هيمنة الذكاء الاصطناعي على العناوين، فإن التحول الطاقي يخلق وظائف (هندسة بيئية، طاقة متجددة، كفاءة الطاقة…)، وهو ضمن محركات التغير التي يضعها المنتدى الاقتصادي العالمي في قلب تحول سوق العمل.

3) المهن التي تعتمد على اللمسة الإنسانية والوجود الميداني

الرعاية، التعليم الحضوري، التمريض، العلاج النفسي، الأعمال الحرفية/الصيانة/الكهرباء… هذه أقل قابلية للأتمتة السريعة لأنها تقوم على تفاعل إنساني ومهارة حسية وسياق واقعي. وهذا أحد أسباب انتقال بعض العاملين من وظائف مكتبية إلى حرف ومهن ميدانية بحسب تقارير حديثة.

ما الذي يتغير في “معادلة المهارة” فورًا؟

المنتدى الاقتصادي العالمي يتحدث عن أن نحو 40% من المهارات المطلوبة في الوظائف ستتغير بحلول 2030، وأن 77% من أصحاب العمل يخططون لرفع مهارات العاملين، لكن 41% أيضًا يتوقعون تقليصًا في القوى العاملة بسبب الأتمتة. الرسالة هنا: “التعلم” لم يعد ميزة… بل شرط بقاء.
كما أن منظمة العمل الدولية تشير إلى أن الأثر الأرجح هو تحوّل الوظائف (augmentation/transformation) أكثر من محوها بالكامل—أي أن من يحافظ على موقعه هو من يعيد تعريف دوره حول الأداة بدل أن يُنافسها في العمل الذي تتفوق فيه.

دليل عملي للقارئ: 7 خطوات “مباشرة” لتفادي الصدمة

  1. حوّل سيرتك من “منفذ” إلى “مُراجع/مُحرر/صاحب قرار”: أي ركّز على مهام الحكم، المراجعة، التحقق، بناء المعايير.

  2. تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي كجزء من المهنة لا كفضول جانبي: الأداة التي لا تستخدمها اليوم سيستخدمها منافسك غدًا.

  3. ارفع مهارتك في البيانات حتى لو كنت صحفيًا/مسوقًا/إداريًا: فهم البيانات، التدقيق، التحقق، الخصوصية.

  4. تخصص أعمق بدل “عمومية محتوى”: كلما كانت خبرتك عامة ومكررة، كان استبدالك أسهل.

  5. ابنِ ملف أعمال يقيس الأثر: وفورات وقت، نمو مبيعات، تحسين جودة، تقليل أخطاء… الأرقام تحميك.

  6. انتبه لوظائف البداية: إذا كنت طالبًا/خريجًا، ابحث عن مسارات تعطيك خبرة ميدانية/تفاعل إنساني/مشروع حقيقي، لا مجرد مهام روتينية.

  7. اسأل في المقابلة سؤالين حاسمين: هل لدى الشركة خطة رفع مهارات؟ وهل ستقيس إنتاجيتك “مع الأداة” أم “ضد الأداة”؟

الخلاصة

الأشهر المقبلة ليست “نهاية الوظائف”، لكنها بداية تصفيةٍ قاسية للمهام المتكررة، وبداية مكافأة من يجمع بين ثلاثية: مهارة بشرية + فهم مجال + إتقان أداة. ومن يراهن على أن الموجة ستتباطأ قد يتفاجأ: لأن ما يتغير الآن ليس التكنولوجيا فقط، بل توقعات المديرين والعملاء من سرعة الإنجاز وجودته.

قد يعجبك ايضا