خلية الاتصال السورية – الإسرائيلية: إدارة صراع أم بوابة تسوية مؤجلة؟

44

كتب محرر الشؤون السياسية

بعد أشهر طويلة من الاتصالات السرية والعلنية، وما تخللها من تسريبات ها هو البيان المشترك الامريكي السوري الاسرائيلي، يصدر بعد يومين من المحادثات التي استضافتها العاصمة الفرنسية باريس، وأهم ما تضمنه: إنشاء خلية اتصال لتبادل ⁠معلومات استخباراتية وخفض التصعيد العسكري.

اللافت في البيان الأميركي–السوري–الإسرائيلي الصادر من باريس، ليس ما ورد فيه فقط، بل ما تعمّد تجاهله. فالبيان خلا تمامًا من أي إشارة مباشرة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، كما تجاهل كلياً توصيف أو حتى الاعتراف بالوجود العسكري الإسرائيلي الفعلي في جنوب سوريا، وهو غياب لا يمكن اعتباره سهواً دبلوماسياً، بل خياراً سياسيا محسوباً.

هذا الصمت يوحي بأن الملفات الأكثر حساسية أُخرجت عمداً من النص العلني، ورُحّلت إلى عهدة اللجان التقنية والأمنية التي أُعلن عن تشكيلها، حيث ستُناقش: طبيعة الوجود الإسرائيلي، حدود الانسحاب إن حصل، آليات الضمان، وسقوف الزمن والتنفيذ. بمعنى آخر، المعركة الحقيقية انتقلت من البيان السياسي إلى غرف اللجان المغلقة.

بيان إسرائيلي، صدر عقب الاعلان عن البيان المشترك لم يكن أقل غموضاً، فهو لا يلتزم بالانسحاب، ولا ينفيه، ولا يعترف بالاحتلال، ولا يتعهد بإنهائه.

هذا الغموض ليس ارتباكاً، بل خطاب مزدوج الاتجاه: للخارج: إسرائيل شريك في الاستقرار، وللداخل الإسرائيلي: الأمن أولًا… ولا تنازلات مجانية.

حديث بنيامين نتنياهو عن “أمن الأقليات”، وتحديدًا الدروز، لا يمكن فصله عن هذا السياق. فإثارة هذا الملف تبرر أي وجود أمني لاحق، تمنح غطاءً أخلاقيا للتدخل وتخاطب المزاج القومي–الأمني داخل إسرائيل، لكن الأهم أن ملف الأقليات لم يُطرح إسرائيلياً فقط، بل جاء – بحسب معطيات سياسية – بطلب أميركي، وبموافقة سورية ضمنية، كجزء من سلّة تفاهمات أوسع.

السؤال الجوهري هنا: هل يمارس الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغطاً حقيقياً على إسرائيل؟

القراءة الواقعية تشير إلى الآتي: واشنطن لا “تفرض” بالمعنى الصدامي، لكنها تدير ميزان التنازلات، وتضغط لضمان التزام الطرفين بما تم التعهد به.

من وجهة النظر الأميركية، الهدف الأساسي ضبط الحدود، وضمان عدم الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، لذلك، فإن الدور الأميركي رقابي وضامن أكثر منه منحاز، لكنه في هذه الجولة منح دمشق مكسباً سياسياً واضحاً: إجبار إسرائيل على الجلوس، والتفاوض، والالتزام بآلية رسمية تحت إشراف دولي، ما يخفف عنها الضغط الناجم عن المشكلات الداخلية المعقدة.

الجنوب السوري: انسحاب أم تثبيت وجود؟

هنا تنقسم التقديرات: تيار إسرائيلي يرى أن تل أبيب لن تتخلى عن وجودها جنوب سوريا، مقابل قراءات أخرى تتحدث عن تنازل سوري محسوب، يقبل بترتيبات أمنية مرحلية مقابل وقف الضربات وفتح مسار سياسي، لكن المؤكد أن: سوريا لم تمنح شرعية مكتوبة للاحتلال، ولم توقّع على بقاء دائم، لكنها قبلت تأجيل الحسم لصالح مسار تفاوضي مراقَب، وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي: من فرض الأمر الواقع بالقوة، إلى إخضاعه للتفاوض.

رغم كل الغموض، ثمة من يرى أن ما جرى اختراق سياسي سوري واضح للأسباب التالية: وقف فوري للأنشطة العسكرية الإسرائيلية (وفق المبادرة الأميركية)، ونقل الملف من ساحة القصف إلى طاولة التفاوض، وكسر الرهان الإسرائيلي الداخلي على استمرار الفوضى في سوريا، وضع الوجود الإسرائيلي تحت مجهر دولي وزمني.

 

ويجب التذكير هنا بأن تيارات مؤثرة داخل إسرائيل كانت ترى في الفوضى السورية مصلحة استراتيجية، لأنها: تبرر التدخل، وتمنع تشكّل دولة سورية مستقرة، وتبقي الجنوب ساحة مفتوحة. ما جرى في باريس أضعف هذا التيار، ولو مرحلياً.

غياب اتفاقية 1974 عن البيان، وصمت النص عن الاحتلال، لا يعني إسقاطهما، بل ترحيلهما إلى مرحلة أكثر خطورة: مرحلة التفاصيل.

نحن أمام نص سياسي عام، ولجان تقنية تحمل العبء الحقيقي، ورعاية أميركية تراقب التنفيذ لا النوايا. ما تحقق ليس سلامًا، لكنه تحول في ميزان الفعل، من إسرائيل تقرر وتنفّذ، إلى إسرائيل تُسائل وتُراقب وتُفاوض. والأهم أن سوريا، لأول مرة منذ سنوات، انتقلت من موقع المتلقي للضربات إلى موقع الشريك في صياغة قواعد الاشتباك.

قد يعجبك ايضا