لماذا بكى شبابنا أمس؟

348

 

لم يكن ما جرى مساء أمس مجرد خسارة في مباراة كرة قدم. الأردنيون لم يسهروا قهراً لأن منتخبهم خسر نهائي كأس العرب أمام المغرب، بل لأن الهزيمة لامست شيئاً أعمق من 120 دقيقة في ملعب. خصوصاً الشباب، الذين تحوّل كثير منهم إلى “محللين رياضيين” يبحثون في قرار الحكم بإلغاء هدف مهند أبو طه، وفي احتساب الهدف المغربي الثالث رغم شبهة لمسة اليد.

في الأمس، شاهدنا شباباً يبكون في مقاطع فيديو اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت خسارة مباراة كرة قدم تستدعي كل هذا الحزن والقهر؟

الجواب، في تقديري، لا علاقة له بكرة القدم بحد ذاتها، بل بالبعد السيكولوجي العميق الذي تكشفه هذه اللحظة.

الأردنيون، منذ سنوات، يعيشون حالة بحث مضنية عن معنى للنهضة، عن مؤشر واحد يقول لهم إن بلدهم جدير بتقديرهم، واحترامهم، وتعويلهم عليه في تحقيق طموحاتهم.

سنوات “الربيع العربي” كانت ذروة التوتر في العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي، وشهدت تراجعاً واسعاً في الثقة بمؤسسات الدولة، إلى حد أن بعض الأردنيين تمنّوا – سراً أو علناً – أن يزور “الربيع” بلادهم كما زار غيرها. ووصلت الأمور إلى مستويات مقلقة من التشكيك والانسحاب النفسي، مع وجود أطراف كانت مستعدة للاستثمار في هذا التآكل.

ولولا المآلات الكارثية التي انتهت إليها تجارب الربيع العربي في دول أخرى، لكان الأردن أمام سيناريوهات شديدة الصعوبة.

ثم جاءت جائحة كورونا، لتشكّل محطة مفصلية. اكتشفت خلالها الشعوب العربية، ومنها الأردنيون، الحاجة إلى سلطة مركزية قادرة على الحماية، وعلى إدارة الخطر الصحي عبر منظومة متكاملة: قطاع صحي، أجهزة دولة، تنظيم، تطعيم، وتوعية.

في تلك المرحلة، شهدت العلاقة بين الأردنيين والدولة ترميماً محدودًا لكنه مهم. لمس الناس، لأول مرة منذ سنوات، أن صحة المواطن تُوضع في صدارة الأولويات الرسمية، وأن هناك صدقاً في هذا المسار. واكتشف كثيرون أن لهم وطناً لا يجوز أن يُسلَّم للفوضى أو للتجريف العبثي الذي رأوه في محيطهم.

توالت الأحداث، وجاءت حرب غزة لتضع العلاقة بين الدولة والمجتمع أمام اختبار جديد، أكثر تعقيداً. خرجت فئات إلى الشارع بمشاعر صادقة، لكن دون مشروع ناجز، وبعضها كان مستعداً لوضع الأردن في قلب فوضى إقليمية ملتبسة الأهداف. في المقابل، تماسك تيار عريض من الأردنيين، جعل أمن البلاد وسلامتها وعدم الانجرار وراء مشاريع خارجية أولوية قصوى. وكان لافتاً أن هذا الموقف لم يكن حكراً على فئة أو أصل، بل مشروعاً عابراً للجذور والانتماءات، تماما كما هي الحالة التي لمسناها في اسابيع بطولة كأس العرب.

في الوقت ذاته، بدأت المؤشرات الاقتصادية خلال العامين الماضيين توحي بتحسن نسبي بعد سنوات طويلة عجاف. صحيح أن الأردنيين لم يلمسوا بعد انعكاس هذه الأرقام على حياتهم اليومية، لكنهم رأوا فيها نافذة أمل، ووعداً بتغير قادم، ولو بعد حين.

وسط هذا كله، جاءت كرة القدم.

إنجازات غير مسبوقة: وصيف آسيا، وصيف العرب، أول المتأهلين العرب إلى كأس العالم. لم تكن هذه مجرد نتائج رياضية، بل تحوّلت إلى رمز. وجد الأردنيون فيها عنواناً للتفاؤل، وإشارة إلى أن النجاح ممكن، وأن كسر الحلقة المفرغة قد يبدأ من أي مكان.

لذلك، لم تكن خسارة نهائي كأس العرب مجرد خسارة مباراة. كانت، في الوعي الجمعي، نكسة رمزية في مشروع نهوض يتوق إليه الناس. قهر الأمس يمكن قراءته على أنه خوف من عودة “النحس” الذي لازم الأردنيين طويلاً، لا في الرياضة فقط، بل في السياسة والاقتصاد والمعيشة.

الأردنيون تغرّبوا بأعداد كبيرة خلال السنوات الماضية بحثاً عن لقمة العيش، واكتشفوا في غربتهم أنهم ليسوا أقل كفاءة أو استحقاقاً من غيرهم من شعوب العالم. ما يحتاجونه ليس المعجزات، بل تغييراً حقيقياً، وأدنى ذلك الإحساس بأن هذا البلد قادر على كسر سلسلة الإخفاقات، وأن القادم يمكن أن يكون أفضل.

لهذا بكى الشباب.

لا لأن الحكم ظلمهم فقط، بل لأنهم كانوا يبحثون، ولو عبر كرة القدم، عن دليل واحد يقول لهم إن مشروع النهوض ممكن… وأن النحس قد كُسر أخيراً.

عبدالله بني عيسى

قد يعجبك ايضا