هل يمكن «ادخار» النوم؟ علماء يدرسون فاعلية تخزين ساعات إضافية لمواجهة الإرهاق والضغط
الصافي نيوز- في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه ساعات العمل والسفر والالتزامات اليومية، أصبح النوم أول ضحايا جدولنا المزدحم. لكن سؤالًا علميًا بدأ يفرض نفسه مؤخرًا: هل يمكن «تخزين» النوم مسبقًا لتعويض الليالي التي نعرف أننا لن نحصل فيها على قسط كافٍ من الراحة؟
هذا المفهوم، الذي يُعرف باسم «تخزين النوم» أو Sleep Banking، يثير اهتمامًا متزايدًا بين الباحثين في علوم النوم، كما يحظى بانتشار واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ينصح بعض المهتمين بالصحة بالنوم لساعات أطول قبل فترات السفر الطويل أو الاجتماعات المكثفة أو المشاريع الشاقة، باعتباره «رصيدًا احتياطيًا» يساعد الجسم والعقل على تحمّل الإرهاق لاحقًا.
الفكرة ليست وليدة مواقع التواصل، بل تعود جذورها إلى أبحاث علمية أجراها باحثون في Walter Reed Army Institute of Research في الولايات المتحدة، حيث حاولوا إيجاد طرق لمساعدة الجنود على الحفاظ على يقظتهم وأدائهم خلال المهام التي تتطلب فترات طويلة من السهر أو الحرمان من النوم. وقادت هذه الدراسات الباحثة تريسي روب، التي تعمل حاليًا في Utah State University.
وأظهرت نتائج بعض التجارب أن الأشخاص الذين حصلوا على نوم أطول من المعتاد لعدة ليالٍ قبل التعرض لفترة حرمان من النوم، أظهروا أداءً أفضل في اختبارات التركيز والانتباه، وكانوا أقل عرضة للتشتت والإرهاق مقارنة بمن التزموا بساعات نومهم المعتادة فقط.
ويفسر العلماء ذلك بأن النوم الإضافي قد يمنح الدماغ «احتياطيًا» من الطاقة والوظائف المعرفية، ما يخفف من التأثيرات السلبية المؤقتة لقلة النوم، مثل بطء الاستجابة وضعف الذاكرة قصيرة المدى وتراجع القدرة على اتخاذ القرار.
لكن في المقابل، يحذر مختصون من المبالغة في الفكرة. فالنوم، بحسب خبراء، لا يعمل كالحساب البنكي تمامًا. لا يمكن للجسم أن يخزّن ساعات نوم غير محدودة أو يعوض نقصًا مزمنًا ومتكررًا. ويؤكدون أن «تخزين النوم» قد يكون مفيدًا كحل قصير الأمد قبل حدث استثنائي، لكنه لا يُغني عن الحاجة إلى نمط نوم منتظم وصحي.
كما يشير بعض الباحثين إلى أن الإفراط في النوم فجأة قد يربك الساعة البيولوجية ويؤثر في جودة النوم نفسه، ما يعني أن الفائدة المرجوة قد لا تتحقق دائمًا إذا لم يتم الأمر بشكل متوازن.
مع ذلك، يتفق معظم المتخصصين على أن زيادة النوم قليلًا – ساعة أو ساعتين إضافيتين لعدة أيام – قبل فترة متوقعة من الإجهاد أو السهر، قد تساعد فعلًا في تحسين المزاج والتركيز والأداء البدني، خاصة لدى الرياضيين أو المسافرين أو من يعملون في مهن تتطلب يقظة عالية.
في النهاية، يبدو أن «تخزين النوم» ليس وصفة سحرية، لكنه قد يكون أداة مفيدة عند الاستخدام الذكي. فالأفضل دائمًا هو النوم الكافي بانتظام، لكن عندما تفرض الظروف واقعًا مختلفًا، قد يكون الاستثمار المبكر في الراحة خطوة بسيطة تمنح العقل والجسد قدرة أفضل على الصمود.
ويبقى الدرس الأهم: النوم ليس رفاهية… بل ضرورة حيوية لا يمكن تأجيلها طويلًا.
