“التحديث الاقتصادي”: لماذا تقدّم الاقتصاد ولم تتقدّم جيوب الأردنيين؟
كتب محلل الشؤون الاقتصادية
تُظهر الورقة التحليلية الجديدة الصادرة عن المنتدى الاقتصادي الأردني صورة مركّبة لمسار برنامج التحديث الاقتصادي خلال مرحلته الأولى (2023–2025)، إذ تكشف عن تحسّن واضح في المؤشرات الكلية، مقابل انعكاس محدود على الدخل الفعلي وجودة الحياة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة (2026–2029) اختبارًا حقيقيًا لجدوى البرنامج وقدرته على خلق أثر ملموس لدى المواطنين.
أين نجح البرنامج؟
تشير البيانات الرسمية إلى تحقيق تقدّم معتبر في عدد من محركات الرؤية. فقد نُفّذ 197 أولوية من أصل 641 بنسبة إنجاز تبلغ 36.4%، بينما يجري تنفيذ 55.6% من الأولويات. وبرزت أعلى مستويات الإنجاز في الصناعات عالية القيمة والخدمات المستقبلية والريادة والإبداع، وهي قطاعات قادرة على خلق نمو نوعي ورفع القدرة التنافسية.
كما سجّل الاقتصاد تحسّنًا في مؤشرات مهمة، منها:
ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.122 مليار دينار في 2024 متجاوزًا المستهدف.
تحقيق نمو اقتصادي مستقر مقارنة بسنوات الأزمات العالمية.
توسّع ملحوظ في فرص العمل المستحدثة بمتوسط يتراوح بين 95–100 ألف فرصة سنويًا.
هذه المؤشرات تعكس، كما يقول المنتدى، تعافيًا تدريجيًا وثقة متزايدة بالاقتصاد الأردني، إضافة إلى تحسّن بيئة الأعمال وفعالية بعض محركات النمو.
أين أخفق؟
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الأثر الحقيقي على حياة الأردنيين بقي محدودًا. فالبيانات توضح أن:
الدخل الفعلي للفرد ارتفع 0.6% فقط بين 2023 و2024، وهو أقل بكثير من هدف الرؤية (3% سنويًا).
معدل البطالة ما يزال عند 21.3% في الربع الثاني 2025، رغم ارتفاع عدد فرص العمل.
معظم فرص العمل كانت في قطاعات منخفضة الإنتاجية والأجور أو موسمية، ما قلل من أثرها على سوق العمل.
الفجوة بين نمو الناتج المحلي والدخل الحقيقي للفرد ما تزال واسعة، ما يعني أن النمو لم يتحول بعد إلى تحسين مباشر في مستوى المعيشة.
ويرجّح المنتدى ذلك إلى طبيعة القطاعات التي تقود النمو، وهي قطاعات رأسمالية وحيوية لكنها أقل قدرة على تشغيل العمالة المحلية أو رفع الأجور، إضافة إلى تفاوت كفاءة الإنفاق الرأسمالي وعدم وضوح مستهدفات الدخل الحقيقي في المرحلة الأولى.
ماذا يعني ذلك للمرحلة الثانية؟
تؤكد الورقة أن المرحلة (2026–2029) ستكون محطة مفصلية تتطلب إعادة توزيع الجهد باتجاه:
تعزيز الأثر الاجتماعي للتحديث الاقتصادي وليس فقط الأثر الكلي.
رفع الإنتاجية وربط الأجور بالقيمة المضافة الحقيقية.
تحسين جودة فرص العمل وليس عددها فقط.
زيادة كفاءة المشاريع الرأسمالية وربطها بنتائج مباشرة على المواطنين.
إدراج مستهدفات واضحة للدخل الحقيقي في البرنامج التنفيذي الجديد.
فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون، كما تشير الورقة، مرحلة توسّع وتعمّق تُترجم فيها إنجازات المرحلة الأولى إلى تحسن ملموس في نوعية الحياة والدخل وفرص التشغيل، وإلا سيبقى النمو الاقتصادي “مجرد رقم” لا ينعكس على الواقع اليومي للأسر الأردنية.
الخلاصة
تكشف الورقة أن رؤية التحديث الاقتصادي ما تزال الإطار الوطني الأكثر طموحًا لتحويل الاقتصاد الأردني، لكنها بحاجة إلى تطوير أدوات التنفيذ والمتابعة وتوجيه الأولويات نحو الأثر الاجتماعي المباشر. فنجاح المرحلة الأولى كان “هيكليًا ومؤسسيًا”، أما نجاح المرحلة الثانية فيُقاس بمدى قدرة الرؤية على تحسين حياة المواطنين وليس فقط تحسين المؤشرات الاقتصادية.
