مداهمة الرمثا: عملية استباقية تكشف عمق التهديد التكفيري

87

 

 

كتب محرر الشؤون المحلية

 

لم تكن المداهمة التي أعلنت عنها مديرية الأمن العام فجر الأربعاء حدثًا أمنيًا عابرًا. فما جرى في أحد مواقع لواء الرمثا يعيد تذكير الأردنيين بأن تهديد الفكر التكفيري ليس صفحة من الماضي، بل احتمال حاضر يُراقَب ويُطوّق ويُحبط قبل أن يتحول إلى نار.

وفي التفاصيل الرسمية، فإن قوة أمنيّة خاصة داهمت موقعًا يأوي شقيقين مطلوبين على خلفية قضايا تحقيقية مرتبطة بالفكر التكفيري. وفور وصول القوة، بادر المطلوبان بإطلاق النار بكثافة، فأُصيب ثلاثة من رجال الأمن، فيما قُتل المطلوبان بعد اشتباك مباشر وصعب داخل موقع محصّن.

إلا أن ما بين السطور – وما كشفه خبراء أمنيون – يشير إلى عملية نوعية تحمل أبعاداً تتجاوز المكان والحدث، لتصل إلى رسالة أمنية واضحة عنوانها: الأردن لا ينتظر خطر الإرهاب… بل يقطع طريقه قبل أن يولد.

أولاً: لماذا كانت العملية حتمية؟… قراءة في خطورة الهدف

يقول الخبير الأمني الدكتور بشير الدعجة إن التعبير الرسمي “حملة الفكر التكفيري” يعكس طبيعة الخطر. فهو لا يشير إلى مجرد تطرف فكري، بل إلى مرحلة ما قبل الفعل الإرهابي. المعلومات الاستخبارية – بحسب الدعجة – كانت تؤشر إلى نوايا وارتباطات وتحضيرات يمكن أن تتحول إلى عمل عدائي في أي لحظة.

 

وهنا، يصبح السؤال ليس لماذا تمت المداهمة؟ بل:

ماذا لو لم تتم؟

كل التجارب الإقليمية تثبت أن التكفير يقود إلى السلاح بسرعة، وأن الانتظار أمام خلية تحمل فكرًا متشددًا يعني السماح بولادة تهديد كامل.

 

ثانيًا: الاشتباك… دليل ميداني على طبيعة الخطر

بدأ المطلوبان القتال فور وصول القوة الأمنية. هذا ليس سلوك مطلوب جنائي، بل سلوك شخص مستعد لمعركة، ومهيأ نفسيًا وعملياتيًا للاشتباك.

إصابة ثلاثة من أفراد القوة يعكس حجم المواجهة، لكنه أيضًا يكشف عن عقيدة أمنية لا تتراجع أمام الخطر، وعن التزام دقيق بقواعد الاشتباك حتى في أضيق الظروف.

ولعل أكثر ما هزّ الرأي العام هو استخدام المطلوبين لوالدتهما كدرع بشري.

هنا، تتجلى طبيعة الفكر التكفيري: فكر يسقط فيه الإنسان، وتنهار فيه القيم، وتتحول فيه الأم من رمز للحياة إلى وسيلة للنجاة.

 

ورغم ذلك، نجحت القوة الأمنية في تحييد الأم دون أن تُصاب بخدش، في عملية معقدة تُعدّ نادرة في الاشتباكات داخل الأبنية المغلقة.

ثالثًا: الإرث الإجرامي… خلفيات تكشف أن الخطر لم يكن مفاجئًا

العين والخبير الأمني الدكتور عمار القضاة كشف جانبًا مهمًا من القصة: والد المطلوبين نفسه كان جزءًا من “الخلية الإرهابية” التي اغتالت الشهيد راشد الزيود عام 2016 في إربد.

هذا يعني أن الأجهزة الأمنية كانت أمام إرث تكفيري متجذر داخل هذه العائلة، وأن احتمالات التشدد والسلوك العنيف ليست معزولة، بل متصلة بسياق ممتد من الانخراط في التنظيمات المتطرفة.

 

رابعًا: الأسلحة المضبوطة… دليل أن الخطر كان حقيقيًا

ما عُثر عليه داخل المكان من أسلحة وذخائر يؤكد أن الخلية لم تكن في مرحلة “التفكير”، بل في مرحلة التحضير.

وبحسب الدعجة، هذه “غرفة تحصّن” نموذجية تبدأ منها معظم العمليات الإرهابية في المنطقة.

وسقوطها قبل تحركها للخارج يعني أن الأمن يعمل على مبدأ: إفشال الخطر في بداياته… لا بعد وقوعه.

خامسًا: ماذا يعني ما حدث؟… الرسالة الأكبر

على المستوى الاستراتيجي، تكشف العملية عن ثلاثة عناصر أساسية:

يقظة استخبارية عالية

وصول القوة في “التوقيت الدقيق” يعني وجود رصد ومتابعة وتحليل معمّق للهدف.

جاهزية عملياتية لا تتردد

الاشتباك المباشر، إصابة رجال الأمن، ثم السيطرة على الموقع دون إصابة مدنية واحدة، كلها مؤشرات على تدريب احترافي.

 

سياسة ردع واضحة

الرسالة لمن يحاول تشكيل خلية تكفيرية في الأردن واضحة:

لا ملاذ… ولا فرصة… ولا انتظار.

سادسًا: العملية في سياق تاريخي… الأردن وملف الإرهاب منذ 2011

 

العملية الجديدة تضاف إلى سلسلة مواجهات حاسمة خاضها الأردن خلال العقد الماضي ضد تنظيمات متطرفة أبرزها:

خلية إربد 2016 التي استشهد فيها الرائد راشد الزيود.

هجوم الركبان 2016 الذي استهدف موقعًا عسكريًا على الحدود.

هجوم قلعة الكرك 2016 الذي أسفر عن 10 شهداء بينهم رجال أمن وسائحة أجنبية.

خلية السلط 2018 التي شهدت أعنف مواجهة داخل الأحياء السكنية.

 

هجوم جرش 2019 الذي استهدف سياحًا ومرشدًا أردنيًا.

هذه المحطات تفسر لماذا لا تتعامل الدولة مع الفكر التكفيري كمجرد “رأي”، بل كقنبلة مؤجلة.

خلاصة: عملية الرمثا… احتراف أمني ورسالة دولة

ما جرى هو نجاح أمني واستخباري مزدوج: إحباط خطر قبل أن يتشكل. حماية المدنيين رغم اشتباك مسلح مع هدف خطير. تفكيك نواة تكفيرية ذات جذور عائلية. والتأكيد أن الأردن يخوض معركته ضد الإرهاب بعقل بارد ويد ثابتة.

وفي النهاية، فإن عملية الرمثا ليست مجرد مداهمة…

هي إعلان جديد بأن الأمن الأردني يعمل بصمت لكنه لا يغفل، يتحرك عندما يجب، ويحسم عندما يصبح الحسم ضرورة لحماية الوطن.

قد يعجبك ايضا