نهضة الأردن تبدأ من أمام باب بيتي !

135

 

حين يناقش أي شعبٍ في العالم سُبل نهضته وتقدّمه ورفاهيته، يبرز سؤال جوهري: من أين تبدأ النهضة؟ من القمّة أم من القاع؟

في الأردن، يكاد هذا السؤال يتحوّل إلى معضلة، إذ إن أي نقاش حول الضائقة الاقتصادية أو الأزمات الاجتماعية، من الزواج والطلاق، إلى القروض البنكية، والبطالة، وحوادث السير، والغارمات، وأزمة المرور، ورداءة بعض الخدمات الصحية والتعليمية، وروتين المؤسسات، وحتى شجارٍ على موقف سيارة، يبدو وكأنه ينتهي دائماً عند إجابة واحدة: “الحكومة هي المسؤولة عن كل شيء”.

هذا المنطق، وإن حمل شيئاً من الصحة من حيث مسؤولية الحكومات المتعاقبة عن إدارة الدولة واقتصادها، إلا أنه يخفي وراءه تنصّلاً جماعياً غريباً من أي مسؤولية مجتمعية. أصبح الخطاب السائد أن الدولة وحدها مسؤولة عن كل فشل، وأن المجتمع بريء تماماً من أي دور في الأزمة، بل إن مجرد الثناء على الأردن، وليس على الحكومات، يُعدّ “تزلفاً” و”تطبيلاً”.

أنا شخصيًا أحمل الحكومات المتعاقبة مسؤولية كبيرة عن الأوضاع المعيشية المتدهورة، لكنني لا أحملها وحدها المسؤولية. فهناك ما هو أعمق…

هناك خلل مجتمعي أصيل يظهر يومياً، أمام أعيننا، ولا نجرؤ على تسميته.

قبل أيام، وبينما كنت أهمّ بمغادرة منزلي في أطراف عمّان، فوجئت بعدد من الأكياس الملقاة أمام البوابة. اقتربتُ بحذر، لأكتشف أنها ليست مجرد نفايات؛ بل فوط أطفال مستعملة، ونفايات مطبخ وبقايا طعام، وعلب فارغة، ومحارم قذرة.

لطالما اعتدت أن يرمي البعض علب المشروبات الفارغة وعبوات الطعام والمحارم، عند مدخل المنزل المطلّ على سلسلة جبال، لكن هذه المرة كانت “النفايات” مختلفة في مضمونها وفي دلالتها. بعدها بأيام رصدت كميات هائلة من زجاجات الكحول في واحد من أجمل مطلات عجلون. كدت أن أنفجر غضباً في الحالتين، ثم تمالكت نفسي… لأنني أعرف أن هذا السلوك ليس شاذاً، بل هو جزء من مرحلة حضارية وأخلاقية متردية نعيشها.

نحن اليوم أمام فشل في التربية، وفشل في الأخلاق، وفشل في العلم؛ وهذه نتائج طبيعية لمجتمعٍ لم يمارس نقد ذاته يوماً، واكتفى بإلقاء اللوم على من هو فوقه.

العالم العراقي الكبير علي الوردي ربما كان الأقرب لفهم جوهر تخلف مجتمعاتنا. فهو يصرّ على أن مسؤولية التخلف تكمن داخل المجتمع نفسه، لا في السلطة وحدها.

يرى الوردي أن الجمود الاجتماعي، والخرافات، وازدواجية المعايير، وتمسك الناس بتقاليد لا يفهمونها، كلها عوامل تعيق أي إصلاح. وأن النهضة لا تتحقق ما لم يخضع المجتمع لعملية نقد عميقة تكشف عيوبه.

أنا أؤمن بذلك تماماً.

فالنهضة لا تبدأ من الدوار الرابع… بل من أمام باب منزلي، حين يفهم من ألقى النفايات القذرة في المكان أن مُبتلى بالتخلف والبدائية والسلوك الغاباتي.

إن مجتمعًا يمارس الفوضى الصغيرة بلا حياء، سيمارس الفوضى الكبيرة بلا تردد. ومجتمعاً لا يحترم الرصيف، لن يحترم القانون. ومجتمعاً لا يحاسب نفسه،

لن يحاسب حكومته كما يجب.

فالنقد وحده لا يصنع نهضة، والغضب وحده لا يبني دولة، وتحميل الحكومة وحدها مسؤولية الفشل لا يخرج مجتمعاً من القاع.

نعم، الحكومة مسؤولة… لكن المجتمع شريكٌ كامل في النتيجة.

عبدالله بني عيسى

 

قد يعجبك ايضا