كيف استفادت إسرائيل من هجوم سيدني؟
كتب محرر الشؤون السياسية
رغم الطابع الإنساني المأساوي لهجوم سيدني، وما خلّفه من ضحايا مدنيين أبرياء، فإن قراءة المشهد السياسي والإعلامي المحيط بالحادث تكشف أن إسرائيل كانت من أكثر الأطراف استفادةً من تداعياته، ليس على مستوى التعاطف فحسب، بل في توظيفه ضمن سردية أوسع تخدم مصالحها السياسية والدبلوماسية في هذه المرحلة الحساسة.
أول أوجه الاستفادة تمثّل في إعادة تثبيت سردية “التهديد الوجودي” ومعاداة السامية بوصفها الخطر المركزي الذي يواجه اليهود حول العالم. فمنذ الساعات الأولى للهجوم، سارعت القيادة الإسرائيلية – من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الرئيس إسحق هرتسوغ ووزير الخارجية – إلى توصيف الحادث باعتباره هجوماً موجهاً ضد اليهود تحديداً، وليس مجرد عمل إرهابي داخلي. هذا التوصيف أعاد وضع “أمن اليهود في العالم” في صدارة النقاش الدولي، وربطه عضوياً بما تصفه إسرائيل بأنه حرب عالمية ضد معاداة السامية.
ثانياً، استفادت إسرائيل من الهجوم في مهاجمة سياسات أستراليا الخارجية، ولا سيما اعترافها بالدولة الفلسطينية. فقد ربط نتنياهو بشكل مباشر بين قرار كانبيرا الاعتراف بفلسطين وبين ما جرى في سيدني، معتبراً أن هذه السياسات “تصب الزيت على نار معاداة السامية”. بهذا الربط، حاولت إسرائيل إيصال رسالة مزدوجة: الأولى للداخل الإسرائيلي بتأكيد صحة خطابها، والثانية للدول الغربية مفادها أن أي خطوة سياسية داعمة للفلسطينيين قد تُترجم – وفق الرواية الإسرائيلية – إلى تهديد أمني لليهود في العالم.
أما ثالث أوجه الاستفادة، فيكمن في تحويل الأنظار عن غزة. ففي وقت يتزايد فيه الضغط الدولي على إسرائيل بسبب الحرب في قطاع غزة، والاتهامات المتعلقة بسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، جاء هجوم سيدني ليعيد توجيه بوصلة التغطية الإعلامية العالمية نحو “ضحايا يهود” خارج الشرق الأوسط. هذا التحول المؤقت في الأجندة الإعلامية خفف، ولو نسبياً، من حدة التركيز على الانتهاكات الإسرائيلية، وأعاد إنتاج مشهد أخلاقي مغاير تكون فيه إسرائيل في موقع “الضحية” لا “الطرف المتهم”.
رابعاً، عزّزت إسرائيل من خلال التفاعل الدولي مع الهجوم شرعنة خطابها الأمني المتشدد. الإدانات الواسعة التي رافقت الحادث، واللغة المستخدمة من قِبل قادة غربيين حول “عدم التسامح مع الكراهية” و”مكافحة الإرهاب”، تصب مباشرة في مصلحة الرؤية الإسرائيلية التي تساوي بين المقاومة الفلسطينية، أو حتى النقد السياسي لإسرائيل، وبين التطرف والعنف. بهذا المعنى، يصبح هجوم سيدني أداة غير مباشرة لتوسيع هامش القبول الدولي بالإجراءات الأمنية القاسية، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية.
خامساً، استفادت إسرائيل على مستوى العلاقة مع الجاليات اليهودية في العالم. إذ أعاد الهجوم تعزيز الشعور بالخطر والتهديد، ما يرسّخ الخطاب الصهيوني التقليدي القائم على أن إسرائيل هي “الملاذ الآمن الوحيد” لليهود. هذا الخطاب، الذي خفت بريقه نسبياً في العقود الأخيرة، عاد بقوة مع حوادث من هذا النوع، خاصة عندما تُربط مباشرة بمعاداة السامية وليس بسياقات محلية أو فردية.
في المحصلة، لا يمكن فصل المأساة الإنسانية في سيدني عن توظيفها السياسي. فبينما انشغل العالم بإدانة الهجوم والتعاطف مع الضحايا، نجحت إسرائيل في إعادة تدوير الحدث ضمن روايتها الكبرى: عالم معادٍ لليهود، سياسات غربية “متساهلة” مع الفلسطينيين، وضرورة الاصطفاف خلف إسرائيل باعتبارها خط الدفاع الأول. هكذا، تحوّل هجوم بعيد جغرافياً عن الشرق الأوسط إلى ورقة سياسية وإعلامية تعزز موقع إسرائيل في معركة الروايات، حتى وإن كان ثمن ذلك استثماراً سياسياً في دماء أبرياء.
