كميات صادمة من الحقد والكراهية.. هل علينا أن نقلق؟

169

 

كُتب الكثير عن القومية العربية، من القصيدة إلى البيان السياسي، ومن الحلم العاطفي إلى محاولات تأطيرها ضمن مصالح مشتركة أو حسابات جيوسياسية. غير أن الحصيلة النهائية، بعد قرن تقريباً، تفضي إلى نتيجة مهمة: القومية العربية كانت أكثر الأفكار الوحدوية العربية طوباوية، بل الأكثر هشاشة، وربما الأكثر تضليلاً وتدميراً.

المفارقة أن ما جرى توصيفه طويلاً بوصفه «الحالة القطرية المصطنعة» الناتجة عن سايكس–بيكو، أثبت — رغم علله البنيوية — قدرة أعلى على البقاء، وبناء مؤسسات، وضبط المجتمع، مقارنة بالحالة القومية التي بقيت معلّقة في فضاء الخطابة والإنشاء، دون ترجمة واقعية على الأرض.

سجلّ المحاولات الوحدوية العربية شاهد على ذلك، فكلها انتهت إلى أطر عاجزة. والخلل الجوهري أن القومية العربية بُنيت على اللغة باعتبارها العصب المؤسِّس، وهو تصور جذاب نظرياً، لكنه هش عملياً. فاللغة لا تصنع أمة سياسية، على نحو ما يؤمن به جورج طرابيشي. ما يصنع الديمومة هو المصالح، وبناء الفرد، والعقد الاجتماعي، والمؤسسات، والاقتصاد السياسي، وأمن الدولة. وكلها عناصر إما غابت عن المشروع القومي العربي أو جرى القفز فوقها باسم العاطفة.

اتذكر هذه الخلاصة وهذا الخلل البنيوي، وأنا أحاول فهم ما جرى عقب مباراة الأردن والمغرب. ما شهدناه لم يكن شحنة رياضية عابرة، بل انفجاراً لغويا ونفسياً من الحقد والكراهية بلغ مستويات صادمة. وأنا هنا أحرص أن لا أنزلق نحو خطاب شعبوي عاطفي، بقدر ما أُعمل أدوات التحليل من أجل الفهم. فحين يتحول جمهور واسع إلى كتلة تشتم، وتحرّض، وتتمنى الدمار لدولة مجاورة، فنحن لم نعد أمام منافسة كرة قدم، بل أمام مؤشر سياسي–أمني مقلق، لأن أسبابه في الغالب لم تبدأ بالرياضة بل بالسياسة.

الأمر الأخطر أن هذا الخطاب لا يصدر عن هامش محدود، بل عن طيف عريض من مجتمع يعيش على حدودك، ولا يراك وطناً جديراً بالاحترام، ويتعامل معك بوصفك كياناً طارئاً. في منطق الأمن القومي، هذه ليست مسألة رأي عام افتراضي، بل بيئة حاضنة محتملة للفوضى، والتحريض، والاختراق، وهذا هو المهم.

في سنوات سابقة، كنت من أكثر المتعاطفين مع العراق في مواجهة حالات فردية أردنية انزلقت إلى الإرهاب ومارست أفكارها السوداء على أرضه. تلك الحالات، رغم بشاعتها، بقيت فردية، ومحل رفض شعبي أردني واسع، ولم تتحول يوماً إلى ثقافة جمعية أو خطاب عام. بل إن الأردن نفسه دفع ثمن الإرهاب حين ضربه أردنيون وعراقيون معاً في تفجيرات عمّان، التي خُطط لها في العراق، وراح ضحيتها عشرات الأبرياء.

الفرق اليوم أن ما نواجهه ليس حالات فردية، بل مناخاً عاماً من الكراهية، يُغذّى سياسياً وطائفياً، ويتزامن مع تعقّد غير مسبوق في الحسابات الإقليمية، ومع حرب غزة التي أعادت إشعال الصراعات الباطنية: السياسية، والطائفية، والعسكرية، في المنطقة.

العراقيون بيننا، ممن جاؤوا طلباً للأمان والعمل، يحظون باحترام كبير. لكن في المقابل، هناك مجموعات مكثت على حدودنا لفترات طويلة، تحت شعارات إقليمية ملتبسة، وهي مجموعات لا تحمل فقط رواسب طائفية، بل عداءً صريحاً للدولة الأردنية. تجاهل هذا الواقع، أو تبريره باسم الأخوّة، هو سذاجة سياسية خطيرة.

القومية العربية، بصيغتها التاريخية، لم تكن سوى وهم شاعري، بلا عصب مصالح، ولا مشروع دولة. لذلك فإن التعاون مع دول الإقليم يجب أن يكون عقلانياً، بارداً، قائماً على المصالح المباشرة. الاقتصاد لا العاطفة. نحن نحتاجهم كما يحتاجوننا، والنفط ليس منّة بل سلعة في اتفاقات متبادلة. لسنا متسولين على أبواب بغداد، ولا ينبغي أن نُدار بمنطق الامتنان السياسي.

وبغداد، التي نحبها ونعرف ثقلها التاريخي، تبدو اليوم مختطفة من قوى لا ترى في الأردن إلا خصماً أو ساحة. وإلى أن تستعيد عافيتها، فإن اليقظة الأمنية ليست خياراً عدائياً، بل ضرورة وطنية.

في الأدبيات الأمنية الحديثة، لم يعد التهديد للأمن الوطني محصوراً في العمل العسكري المباشر أو الصدام التقليدي بين الدول، بل بات يُعرَّف بوصفه منظومة مركبة من المخاطر تشمل البيئة الاجتماعية، والخطاب العام، والسلوك الجمعي، والاصطفافات الأيديولوجية، والقدرة على التحشيد والتعبئة.

عبدالله بني عيسى

قد يعجبك ايضا