المنع لا يحمي المجتمعات في عصر التدفق الكوني
في كل مرة تُثار فيها ضجّة حول محتوى بثّته وسيلة إعلام محلية، أو حساب على منصات التواصل الاجتماعي، بحجة أنه لا ينسجم مع «تقاليدنا»، وتتوالى الدعوات إلى لجم هذه الوسيلة أو منعها بالقانون، يتأكد لي مجددًا عمق المأزق الذي تعيشه مجتمعاتنا. فافتراض القدرة على ضبط ما تنشره منصة محلية يوحي بوهم السيطرة، بينما الحقيقة أن الفضاء المعرفي اليوم مفتوح على مصراعيه، وتتدفّق عبره، على مدار الساعة، شلالات هائلة من المحتوى القادم من كل أنحاء العالم، حاملةً معها الكون بكل تناقضاته: جماله وقبحه، انتظامه وشذوذه، منطقه وفوضاه. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس كيف نُسكت وسيلة إعلام محلية، بل كيف نتخيّل أصلًا إمكانية التحكّم بهذا الطوفان الكوني الجارف، أو عزل مجتمعاتنا عنه، في زمن لم تعد فيه المعرفة قابلة للاحتجاز أو المنع.
تشير التقديرات العلمية إلى أن حجم المعرفة البشرية كان يتضاعف كل عدة قرون في العصور القديمة، ثم كل 100–150 سنة مع بدايات العصر الحديث، قبل أن ينخفض زمن التضاعف إلى نحو 20–25 سنة في القرن العشرين. ومع دخول العصر الرقمي، تسارع هذا الإيقاع بشكل غير مسبوق، لتتضاعف المعارف كل 2–3 سنوات بعد عام 2000، ثم خلال أشهر معدودة في العقد الأخير مع صعود الذكاء الاصطناعي. هذا التسارع الهائل وضع الإنسان أمام مفارقة تاريخية حادّة: فهو يمتلك اليوم وصولًا فوريًا إلى معرفة تفوق ما راكمته حضارات كاملة خلال قرون، لكنه في الوقت ذاته يواجه أزمة استيعاب ومعنى، إذ لم يعد التحدي في إنتاج المعرفة، بل في القدرة على فرزها وفهمها وتحويل هذا الفيض غير المسبوق إلى وعي نقدي وسلوك إنساني رشيد.
لم يعد السؤال المطروح اليوم: كيف نمنع تدفّق المعرفة الجديدة؟ بل: كيف يمكن للإنسان أن يتعامل معها دون أن يغرق فيها؟ فالعالم دخل مرحلة غير مسبوقة من التضخّم المعرفي، تتجاوز قدرة أي مؤسسة أو دولة أو منظومة ثقافية على الضبط أو الاحتواء.
يشاهد البشر يوميًا ما يقارب 470 مليار مقطع فيديو قصير عبر منصات مثل يوتيوب وإنستغرام وتيك توك، في تدفّق لا يخضع لرقابة مركزية، ولا لمنطق تربوي أو ثقافي أو سياسي. هذا الواقع جعل أي محاولة لإقصاء هذا المحتوى، أو عزله، أو منعه من الوصول إلى الأجيال الجديدة، أقرب إلى وهم إداري وفكري منه إلى سياسة قابلة للحياة. فالمعرفة اليوم لا تُبث من مركز واحد يمكن إغلاقه، ولا تمر عبر بوابة يمكن حراستها، بل تتكاثر ذاتيًا، وتعيد إنتاج نفسها لحظة بلحظة.
تكمن المشكلة الحقيقية في أن بعض المجتمعات لا تزال تتعامل مع هذا الطوفان بعقلية الدفاع لا بعقلية الفهم. يُنظر إلى المحتوى الجديد بوصفه خطرًا يجب إقصاؤه، لا ظاهرة ينبغي تفكيكها وفهم أدواتها وآليات تأثيرها. وفي هذا الفراغ، يواصل الأفراد – وخصوصًا الأجيال الشابة – استهلاك هذا الفيض المعرفي بلا إرشاد، وبلا أدوات نقدية، وبلا مهارات فرز، فيتحول الخوف من المعرفة إلى عامل إضافي في تعميق الفوضى بدل احتوائها.
إن طوفان المعارف وأنماط الترفيه والاستعراض البشري الذي أنتجته المنصات الرقمية ليس حدثًا عابرًا، ولا موجة يمكن أن تنحسر بقرار أو خطاب أو قانون. هو تحوّل بنيوي في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها وتأثيرها، تماماً كما كانت الطباعة أو الثورة الصناعية تحولات غير قابلة للإلغاء. الفارق الوحيد أن سرعة هذا التحول اليوم تفوق قدرة المجتمعات على الاستيعاب، ما يجعل ردود الفعل الانعزالية مفهومة ضمن الثقافة السائدة، لكنها فاشلة عملياً.
التعاطي الإيجابي مع هذا الواقع لا يعني الاستسلام له، ولا تبرير كل ما ينتجه، بل الانتقال من سؤال «كيف نمنع؟» إلى سؤال «كيف نُمكّن؟”.
الخلاصة أن أي محاولة إقصاء طوفان المحتوى المتنوع ليست حماية للمجتمع، بل انسحابًا من معركة خاسرة سلفًا. أما الخيار الواقعي الوحيد، فهو الاعتراف بأن هذا الطوفان قائم، ثم الاستثمار في بناء الإنسان القادر على السباحة فيه دون أن يفقد اتجاهه. ما عدا ذلك، ليس إلا دورانًا في حلقة الخوف، بينما العالم يمضي بلا انتظار.
