الأردن في 2026 .. توقعات لا تنجيم.
عبدالله بني عيسى
أولًا: السياسة الخارجية… تحصين الذات قبل الانخراط بمشاكل الإقليم
في المجال السياسي، يبدو أن الأردن يتجه، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، إلى تحصين داخلي فعلي يقلّل من تأثره المباشر باضطرابات الإقليم الملتهب.
وسيكون للأردن في عام 2026 بوصلة أوضح في التعاطي مع القضايا الإقليمية، تقوم على قاعدتين أساسيتين:
- تغليب المصالح الوطنية الأردنية العليا في مختلف المجالات.
- الالتزام بمنظومة العمل العربي المشترك باعتبارها الإطار الجامع والمرجعي.
وبموجب هذه المقاربة، سيقف الأردن خلف الموقف العربي لا متقدماً عليه، مسترشداً به دون انخراط استباقي قد يحمّله كلفة تفوق طاقته.
إنها ليست حالة انكفاء أو عزلة، بل إعادة ترتيب للأولويات، استناداً إلى دروس قاسية استخلصتها الدولة من سنوات الاضطراب الإقليمي، وعلى رأسها حقيقة أن الأردن القوي لم يعد شرطاً لنصرة الأشقاء فحسب، بل شرطاً للبقاء ذاته في منطقة تعصف بها الأزمات.
ثانيًا: العلاقات الإقليمية… مرونة محسوبة
ضمن هذا السياق، سيعيد الأردن ترتيب علاقاته مع سوريا والعراق وسائر الدول العربية على قاعدة المصلحة المتبادلة والاستقرار طويل الأمد، مع عدم استبعاد “الحزم” حين يكون الأمر متعلقاً بالأمن الوطني، هذا مع الإبقاء على هامش مناورة خاص في الملف الفلسطيني، بحكم التشابك العميق بين الأردن وهذه القضية.
وسيواصل الأردن التحرك ضمن مساحة دقيقة توازن بين:
- حماية مصالحه الوطنية العليا،
- وعدم التفريط بالحقوق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني.
ثالثًا: فلسطين… عام تحولات صعبة
من المرجح أن يشهد عام 2026 تطورات جوهرية في ملف غزة، ستكون في مجملها أقرب لمصلحة إسرائيل، مع بروز ملف التهجير الطوعي بوصفه عنواناً رئيسياً للمرحلة المقبلة.
وسيكون التهجير – إن حدث – متدرجاً لكنه واسع، ومن دون دولة واحدة مستقبِلة، بل عبر انتشار أفراد وعائلات في دول متعددة وفق ظروفهم الخاصة.
ومع ذلك، تبقى فكرة تفريغ قطاع غزة بالكامل من سكانه مستحيلة عملياً.
في الضفة الغربية، يُتوقع أن تحاول السلطة الفلسطينية التجاوب مع العديد من الشروط الأمريكية والإسرائيلية لإعادة إنتاج دور لها في حكم غزة، ووعود بمسار يفضي إلى نقاش حول دولة فلسطينية محتملة بمواصفات معينة مع:
- تراجع نسبي في اعتداءات المستوطنين،
- مقابل تسارع في وتيرة الاستيطان نفسه.
رابعًا: الاقتصاد… عام المشاريع الكبرى
اقتصاديًا، يبدو أن عام 2026 سيكون عام المشاريع الكبرى بامتياز، ونقطة ارتكاز لبداية صعود اقتصادي طويل الأمد.
وللمرة الأولى منذ سنوات، قد يشعر الأردنيون بوجود حراك اقتصادي مرئي لا تخطئه العين، مع:
- ارتفاع رافعات البناء في مشاريع المدينة الجديدة،
- تقدم مشروع الناقل الوطني،
- انطلاق مشاريع النقل الحديث.
هذه المشاهد، إن اكتملت، ستبعث برسائل تفاؤل حقيقية، لا خطابية.
ومن المتوقع أن يشهد العام:
- تراجعاً ملحوظاً في معدلات البطالة،
- زيادة في تحويلات الأردنيين في الخارج،
- رقماً قياسياً في الدخل السياحي،
- نمواً غير مسبوق في تسجيل الشركات الجديدة،
- ارتفاعاً لافتاً في الاحتياطات من العملات الأجنبية والذهب
- مستويات قياسية من التداول في بورصة عمان.
كما يُتوقع أن يخطو الضمان الاجتماعي خطوة جادة نحو تصحيح المسار بما يحفظ أموال الأردنيين ومستقبلهم.
خامسًا: المشهد الداخلي والبرلماني
على الصعيد السياسي الداخلي، يُرجَّح أن يشهد ملف جماعة الإخوان المسلمين تفكيكاً هادئاً وسلمياً دون صدام، عبر مبادرات سياسية وحزبية منسقة مع الدولة، تفضي إلى صيغة توافقية تضمن:
- بقاء البرلمان،
- واستمرار تمثيل حزب جبهة العمل الإسلامي،
لكن وفق معطيات جديدة.
وقد يتم لاحقاً تأسيس حزب جديد يرث الإرث التنظيمي للجماعة والحزب، لكن بصيغة متخففة من الايدولوجيا، وأكثر انسجاماً مع الدولة والمجتمع، وبما يجنب الأردن الحرج مع الإدارة الامريكية التي اعلنت الجماعة مجموعة ارهابية.
كما يُتوقع:
- اندماجات حزبية مؤثرة،
- وحراك سياسي لافت على صعيد انتخابات المجالس المحلية.
سادسًا: الروح الوطنية… ما بعد المنتخب
سيشهد عام 2026 دفعة قوية للروح الوطنية، مدفوعة بإنجازات المنتخب الوطني الأردني، التي تجاوزت البعد الرياضي لتتحول إلى قصة إلهام وطنية.
وللمرة الأولى، قد يتحول اسم الأردن إلى “براند” إيجابي عالمي، لا يقوم على الرياضة فقط، بل على منظومة متكاملة من:
- المبادرات،
- النماذج الملهمة،
- والاستقرار النسبي في بيئة مضطربة.
وقد تشكّل تجربة المنتخب حافزاً نفسياً ومعنوياً لشباب الأردن لاختراقات جديدة في مجالات:
العلوم، والصناعة، والتجارة، والبحث العلمي، والتكنولوجيا.
هذه ليست نبوءة، ولا وعوداً قطعية، بل قراءة في اتجاهات الواقع.
وإن صحّ جزء معتبر منها، فإن عام 2026 قد يُسجَّل بوصفه عام التحول الهادئ الذي أعاد فيه الأردن ترتيب نفسه، استعداداً لمرحلة أطول وأكثر طموحاً.
هذه هي توقعاتي .. فماذا عن توقعاتكم أنتم؟

