كيف يُكافئ الفضاء الرقمي التفاهة!

178

 

المرأة المتصدّرة بلا محتوى، أو المثيرة للجدل، والشاب الضحل الذي أصبح، بصدفة غريبة، «مؤثّرًا»، والفتاة التي اشتهرت بلا محتوى سوى مناكفة الأخ أو زوجة الأب؛ نحن الذين صنعنا شهرتهم، وهم جميعهم علامة فاقعة على اختلالٍ عميق في علاقتنا بمنصّات التواصل الاجتماعي، وبفكرة الشهرة نفسها. لسنا أمام مجموعة من مقدمي التفاهة، بل أمام منظومة كاملة تُكافئ التفاهة، وتحوّل الضجيج إلى رأس مال، والشتيمة إلى ممرٍّ للنجومية.

السؤال الكبير: ما دمنا جميعاً ندين هذه التفاهة، كيف أصبح مقدموها مشهورين على هذا النحو؟

الإجابة باختصار: لأننا انتقدناهم كثيراً… فانتشروا أكثر.

في منطق المنصات الرقمية، لا وجود لفكرة “نجوم الغفلة”. الخوارزميات لا تملك ذائقة البشر، ولا تعرف المعنى، ولا تميّز بين سخرية وإعجاب، بين نقد لاذع وتصفيق أعمى. ما تراه فقط هو التفاعل. وكلما ازداد الغضب، ارتفعت المؤشرات. وكلما تكاثرت الشتائم، صعد المحتوى. وهكذا يتحول الرافضون – دون أن يشعروا – إلى محرّكٍ أساسي في صناعة الظاهرة التي يلعنونها.

لقد ساهم منتقدو هؤلاء “المشاهير” في شهرتهم أكثر مما فعل محبوها -إن كان لهم محبون-.

ساهموا حين كتبوا عنهم، وحين سخروا منهم، وحين أعادوا نشر مقاطعهم بغرض الاستهزاء، وحين حوّلوهم إلى “قضية”. ففي اقتصاد الإثارة الرقمية لا شيء أنفع من الجدل. والجدل – مهما كان نوعه – هو وقود الخوارزميات المفضل.

الأشد بؤساً أمام هذا الحال، أن تأتي الدعوات إلى المنع: منع ظهورهم، منع مشاركتهم في أعمال درامية، منع “تطبيع” حضورهم في المشهد العام. وهي دعوات مفهومة نفسياً، لكنها فاشلة عملياً، بل وخطيرة ثقافياً. لأن المنع في زمن الطوفان المعرفي لا يُطفئ الظاهرة، بل يضخّمها. يمنحها سردية المظلومية، ويحوّلها من حالة هامشية إلى رمز “مقموع”، ويُعيد تدويرها في دوائر أوسع.

المنع يفترض خطأً أن المشكلة في الشخص. بينما الحقيقة أن المشكلة في البنية التي صنعت هذا الشخص، وستصنع غيره فور اختفائه.

هذه المرأة وهذا الشاب وهذه الفتاة ليسوا استثناءً، بل نماذج، لمرحلة أصبحت “النجومية” فيها نتيجة خلل خوارزمي وليست نتاج تفرد وإبداع. مرحلة يُقاس فيها النجاح بعدد المشاهدات لا بقيمة الفكرة.

وهنا يتقاطع هذا المثال مع المأزق الأوسع الذي نعيشه: مجتمعات تحاول التعامل مع الطوفان الرقمي بعقلية الحراسة والمنع، لا بعقلية الفهم والتمكين. تسأل: كيف نُسكت؟ بدل أن تسأل: كيف نبني وعياً يفرز الغث من السمين؟ كيف نُقصي؟ بدل أن تسأل: كيف نُحصّن؟

الحقيقة القاسية أن المنصات ستظل تنتج هذا النوع من “النجوم”، ما دمنا نستهلك بلا فرز، ونمنح الأهمية لمن لا يستحقها. والمشكلة ليست في وجود محتوى تافه، بل في عجزنا عن نقده دون أن نروّج له.

الحل، ليس المنع، ولا الشتم، ولا التهكم. الحل الوحيد هو بناء إنسان قادر على السباحة في هذا الطوفان دون أن يغرق في أكثر أمواجه ضحالة.

وما عدا ذلك… دوران طويل في حلقة الغضب، بينما الخوارزميات تبتسم وتعدّ الأرباح.

عبدالله بني عيسى

قد يعجبك ايضا