انتقادات غير مسبوقة لواشنطن: قادة عالميون يلوّحون بالقانون الدولي في مواجهة إدارة ترامب

23
الصافي نيوز – خاص

في تطور لافت في الخطاب السياسي الدولي، بدأ عدد من رؤساء الدول وقادة الحكومات حول العالم بتوجيه انتقادات مباشرة وغير مباشرة للإدارة الأميركية، على خلفية سلسلة من السلوكيات والسياسات التي وُصفت بأنها تمثل انتهاكًا صريحًا لمبادئ السيادة الوطنية والقانون الدولي، وتهدد التوازن الدقيق الذي حكم النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذّر من هذا المسار، معتبرًا أن العالم يشهد محاولة لاستبدال «قوة القانون بقانون القوة»، وقال إن السياسة الأميركية الحالية تركّز على ممارسة النفوذ أحيانًا على حساب القانون الدولي، في إشارة إلى تراجع الالتزام بالشرعية الدولية.

من جانبه، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن العالم يتجه نحو «عالم بلا قواعد»، حيث يُنتهك القانون الدولي ويُهمّش دوره في ضبط العلاقات بين الدول.

وفي موقف لافت، شنّ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني هجومًا مباشرًا على النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، واصفًا فكرة «النظام القائم على القواعد» بأنها «زائفة جزئيًا»، مشيرًا إلى أن القانون الدولي طُبّق بانتقائية تبعًا لهوية المتهم أو الضحية. وأضاف أن الهيمنة الأميركية وفّرت استقرارًا في السابق، لكن هذه المرحلة انتهت، وأن النظام الدولي القديم لن يعود.

وتأتي هذه الانتقادات في ظل مواقف أميركية أثارت جدلًا واسعًا، من بينها الحديث عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتهديدات المتكررة المتعلقة بـ جرينلاند، إضافة إلى إشارات سياسية وأمنية تتعلق بالتدخل أو فرض النفوذ على دول في أميركا الجنوبية، وهو ما اعتبرته عواصم عدة عودة مقلقة إلى منطق القوة بدل منطق القانون.

اللافت في المشهد الحالي أن قادة دول ديمقراطية، لا سيما في أوروبا، باتوا يتحدثون علنًا وبوضوح غير مسبوق عن ضرورة احترام القانون الدولي، بوصفه الإطار الذي ضمن – ولو نسبيًا – استقرار العلاقات بين الدول لعقود.
ويرى مراقبون أن هذا التحول في الخطاب لا يعكس مجرد تباينات سياسية عابرة، بل بداية مواجهة قيمية بين دول تعتبر نفسها حارسة للنظام الدولي القائم، وبين إدارة أميركية تتصرف خارج هذا الإطار.

في قلب هذه المواجهة يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يثبت – بحسب قراءات دبلوماسية غربية – أنه زعيم مختلف عن أسلافه، لا يُخفي استعداده لتجاوز الأعراف الدبلوماسية، ولا يُظهر التزامًا واضحًا بمفاهيم الشرعية الدولية أو القيود الأخلاقية التي حكمت سلوك القوى الكبرى تاريخيًا.

هذا النمط من القيادة، وفق محللين، لا يقتصر أثره على العلاقات الثنائية، بل يُحدث تصدعات في البنية الأخلاقية والسياسية للنظام العالمي، ويضع الحلفاء قبل الخصوم أمام أسئلة وجودية تتعلق بحدود التحالف، ومعنى الشراكة، وجدوى الالتزام المشترك بالقواعد.

من بين أخطر الأسئلة التي تطرحها هذه التطورات:
هل يمكن أن تقود هذه المواجهة الخطابية إلى تصدع داخل حلف شمال الأطلسي (حلف شمال الأطلسي
وهل نحن أمام بداية شقّ في صف التحالف الغربي، بين دول أوروبية ضاربة الجذور في مفهوم الدولة والقانون، وإدارة أميركية تتعامل مع السياسة الدولية بمنطق الصفقات والنفوذ؟

وتذهب بعض التحليلات أبعد من ذلك، متسائلة عما إذا كانت الولايات المتحدة، في ظل هذا النهج، تعيد إنتاج مقاربات استعمارية قديمة، لكن بأدوات جديدة، وبخطاب أقل مواربة.
مقاربات تُقدّم القوة على الشرعية، والمصلحة الآنية على القيم، وتُضعف تدريجيًا فكرة النظام الدولي القائم على التوازن والاحترام المتبادل.

تصريحات اليوم… ومواجهة الغد

حتى الآن، لا تزال المواجهة في إطار التصريحات السياسية والإعلامية، لكن مراقبين يحذرون من أن تراكم هذه المواقف قد ينقل الخلاف من مستوى الخطاب إلى مستوى السياسات والتحالفات، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين في العلاقات الدولية.

ويبقى السؤال المركزي:
هل ستكتفي الديمقراطيات العالمية برفع الصوت دفاعًا عن قيمها، أم أن العالم يتجه فعلًا إلى مواجهة أعمق تعيد رسم خرائط النفوذ، وتختبر مستقبل القانون الدولي نفسه؟

قد يعجبك ايضا