طعنة نافذة !

109

 

لا نعرف بعد ماذا حدث بالضبط. ولا يليق بنا أن نستبق تحقيقاً أو نحاكم روايات منصات التواصل. كل ما نعرفه أن شابةً أردنية، محامية، متعلمة، مفعمة بالحياة كما بدت في صورها، سقطت قتيلة بطعنة سكين داخل بيتها.

هذا وحده يكفي ليكون فاجعة. أما التفاصيل… فمكانها القضاء لا الظنون.

لكن ما هو أبعد من التفاصيل، وما هو أعمق من أسماء الضحايا والجناة، هو تلك الطعنة نفسها. إذ لم تكن طعنة في الجسد فقط. كانت طعنة نافذة… إلينا جميعاً.

حين تُقتل امرأة داخل بيتها، لا يمكن أن نكتفي بسرد الواقعة كخبر جنائي عابر. فالبيت، في المخيال الإنساني، هو مكان الأمان الأول. وحين يتحول إلى مسرح دم، فهناك خلل أعمق من شجار عائلي أو لحظة غضب..هناك ثقافة كاملة يجب أن تُسأل.

نحن، في كل مرة تُقتل فيها امرأة، نهرع إلى التفاصيل: من القاتل؟ ما السبب؟ هل أخطأت؟ ماذا فعلت؟

دائماً نبدأ بها… لا به. كأن الضحية مطالَبة بالدفاع عن سيرتها حتى بعد موتها. كأنها متهمة حتى تثبت براءتها.

في مجتمعاتنا، ما تزال المرأة تُحمَّل أكثر مما تحتمل إنسانيتها.

خطؤها ليس كخطئه. حركتها ليست كحركته. حياتها ليست ملكها.

قد يكون “الخطأ” مجرد منديل رأس ملوّن أو أحمر شفاه.
أو وظيفة في بيئة مختلطة. أو دراسة في جامعة بعيدة. أو صداقة عابرة. أو حتى مجرد استقلال في الرأي.

بل وربما حنان وافر جعلها تتصدى للطعنة نيابة عن والدها أو شقيقها. مروحة الاتهام واسعة… وواسعة جداً.

بينما تُمنح للرجل مساحات لا نهائية من التسامح والتبرير والتستر.

نغض الطرف عن انحرافه. نلتمس له الأعذار.. نقول: “شاب ويخطئ”. أما هي، فخطؤها حكم مؤبد.

حتى الدين، في نصوصه، حرّم الدم تحريماً قاطعاً. فلا نص يبيح قتل امرأة لأنها امرأة، أو لأن “سمعة” ما جُرحت.

لكننا – ببساطة – حوّلنا أعرافًا بالية إلى أحكام مقدسة.

علم الاجتماع يقول إن العنف ضد النساء ليس حادثة فردية، بل بنية. وعلم النفس يقول إن القتل غالباً هو ذروة مسار طويل من السيطرة والتحكم والتبرير.. أما نحن، فما زلنا نصر على تسميته “حادثاً عائلياً.

كأن الأمر سوء حظ… لا ثقافة.. لا مفاهيم.. ولا تراكمات.

الطعنة التي أنهت حياة زينة – أو أي امرأة أخرى قبلها – لم تخترق جسدها وحده. بل اخترقت أفكارنا، وقوانيننا المتسامحة مع العنف، وصمتنا، وتفسيراتنا المريحة التي تبرر كل شيء.

هي طعنة في مفهوم الرجولة حين تُختزل في السيطرة. وطعنة في العدالة حين تُساوي بين الضحية والجلاد. وطعنة في الضمير حين نبحث عمّا فعلته بدل أن نسأل: لماذا يُقتلن أصلًا؟

لسنا أبرياء تماماً..نحن جميعاً شركاء بالصمت. بالنكات وبالتعليقات السمجة التي تثير الشكوك حول الضحية وتُهينها وهي ميتة.
بالتبريرات الصغيرة. بالعبارات الموروثة: “عيب”، “سمعة”، “استري حالك”. بالتربية التي تمنح الذكر حصانة وتلقي بالقيد على المرأة.

يوماً ما، حين تنضج مجتمعاتنا حقًا، سننظر إلى هذا الزمن بدهشة. سنبني نصباً تذكارية لنساء كثيرات. وسنكتب تحتها:

هذه حُرمت من التعليم ظلماً.
وهذه حُرمت من ميراثها ظلماً.
وهذه قُمعت داخل بيتها ظلماً.
وهذه قُتلت لأن أحدهم ظن أنه يملك حياتها.

وسنكتشف متأخرين أننا لم نخسر أفراداً فقط…بل خسرنا إنسانيتنا معهم.

لست بصدد الحديث عن قتل “زنية” بالذات إذ لا نعرف بعد تفاصيل ما حدث. لكننا نعرف شيئاً واحداً مؤكداً:

حين تُقتل امرأة في بيتها، فالمجتمع كله مصاب.

والطعنة… نافذة.

عبدالله بني عيسى

قد يعجبك ايضا