المحامية زينة والمجتمع الذي يقدّس التستر

362

أزهر الطوالبة

المُحاميةُ زينة، امرأةٌ اختارت أن تقف في صفّ القانون، وأن تواجه منطق الغلبة بمنطق الحقّ. وفي مجتمعٍ محافظٍ مثل مجتمعنا، أن تكون المرأة محامية ؛ فهذا بحدّ ذاته فعل شجاعةٍ يوميّ، ومواجهة صامتة مع تراتبيّاتٍ قديمة ما زالت ترى في صوت المرأة “زيادة” يجب تهذيبها، لا حقًّا يجب احترامه.

ما يؤلمني في هذه الجريمة ليس فقط فقدان حياة شابّة، بل السياق الذي أحاطَ بها. فنحن أبناء بنيةٍ اجتماعيّةٍ تُراكم الصمت، وتُقدّس “التستُّر” حتى حين يتحوّل الستر إلى غطاءٍ للعُنف، وتفضّل تسوية المشاكل داخل الجُدران على أن تفتحها على ضوء القانون. ففي كثيرٍ من بيوتنا، تُربّى الذكورة على أنَّها حقّ في السيطرة، وتُربّى الأنثى على أنَّها مسؤولةٌ عن تهدئةِ العاصفة مهما كان ثمنها. وحين تنفجر العاصفة، نندهشُ وكأنّنا لم نرَ الغيوم تتكاثف منذ سنين.

كنتُ أصادفُ زينة في قصر عدل عمّان قليلًا. في الممرّات الضيّقة التي تختلط فيها روائح الورق، وأصوات المُحامين، والانتظار، كانت تمرّ بابتسامةٍ سريعة، تحمل ملفّاتها كما يحمل النّاس قلقهم اليوميّ. وحقيقةً، لم أعرِفها معرفة مُعمَّقة، إلّا أنّني أعرفُ أنّها لَم تك مِن اللّواتي يعشقنَ الضّجيج، ولا مِن الباحِثات عن النجوميّة داخل القاعات، وأهمّ ما عرفتهُ فيها، أنّها واحدةٌ من أولئك الذين يؤمنونَ أنَّ العدالةَ تُبنى بالمواظبة الصامتة، والعمل القانونيّ الدّقيق.

بعد رحيلها، ها أنا أقرأ منشور لها تتحدّث فيه، دونَ تردّدٍ وشكوكيّة، عن المرضى النفسيين، وعن الإستعجال في مُعالَجتهم ؛ حتى لا يتفاقَم الأمر، ويأتي بكوارثٍ على المُجتمَع ككُل. ما كتبتّهُ زينة في منشورها، لم يك صرخة استغاثة، بل كان درسًا أخلاقيًا قُدِّم بهدوء امرأة تعرف ما الذي يحدث داخل البيوت أكثر مما نحب أن نعترف. ففيهِ قالَت شيئًا بسيطًا وعميقا: “أنَّ المرضَ ليسَ عيبًا، وأنَّ الإهمالَ هو الجريمة”. إنّهُ كلامٌ حيكَ بلغةِ قانونيّة، تُدرك أنّ أوّل خُطوات حلّ المشاكِل، هي “الإعتراف بها”.

أرادَت زينة أن تُخبرَ النّاسَ، بلُغتهم، أنَّ “التستُّر” لا يمنَع الجريمة، وإنّما يؤجّلها، وأنَّ مَن يترُك ابنهُ أو أخاه فريسةً ل(الإضطراب النفسي، النّعاطي)، ثمَ يبدأ بالتّبرير، فهو بذلك يكون شريكًا -دون أن يدري- في صناعة الكارِثة.

لَم تُرد زينة ممّا كتبتّهُ إلّا أن تقومَ بإدخالِ القانون إلى المناطِق، الّتي يجِد القانون صعوبةً بالِغة بالدّخول إليها. كانَت تقول للأهالي ما لا يجرؤ كثيرونَ على قوله: أن تُحب لا يعني أن تتغاضى وتُبرِّر، أن تُحب يعني أن تُعالِج. كما وأرادَت أن تُقنعَهُم، أي الأهالي، بأنَّ الخوفَ من “العيب” لا يُبرّر تركَ شخصٍ ينهار حتى يتحوَّل إلى خطرٍ على نفسه وعلى غيره.

وهنا تكمن المأساةُ القاسية: المرأة التي فهمت ذلك، والّتي كتبتّهُ بوضوح، انتهت ضحيةً للمنظومة ذاتها التي كانت تحذّر منها. منظومةٌ تُقدّس الصمت، وتؤجّل العلاج، وتُراهن على أن المشكلةَ “ستمرّ”، إلى أن لا تمرّ،
بل تنفجر.

وكمحامٍ، أعرف أنَّ الجرائمَ لا تولَد في اللَّحظة التي يُراق فيها الدّم، وإنّما تولد قبل ذلك بسنوات، في كل مرة يُكبَت فيها العنف، ويُهمل فيها المرض، ويُستبدل فيها العلاج بالدّعاء وحده، أو بالخجل الاجتماعيّ.

منشور زينة كان لائحة اتهام مبكّرة، مرفوعة باسم المُجتمع ضدّ عاداته القاسية. ولهذا، فإنّ استدعاء كلماتها اليوم ليسَ رثاءً، بل شهادة. هي لم تكن فقط ضحيّة سكينٍ حازها مُتعاطٍ، بل ضحيّة ثقافةٍ كاملة ترى في الاعتراف بالمرض ضُعفًا، وفي طلب العلاج فضيحة، وفي حماية “السمعة” أولويّة على حماية الإنسان.

زينة، التي كانت تمرّ بجانبي في قصر العدل، تحمل ملفات الآخرين، كانت في الحقيقة تحمل همّنا جميعًا: كيف نجعل بيوتنا أقلّ خطرًا من الشوارع؟
وكيف نقنع أنفسنا، أخيرًا، أنَّ الرحمة ليست في السكوت، بل في التدخُّل قبل فوات الأوان.

قضيّة زينة تضعنا أمام مرآةٍ قاسية، وتُقيم بنا وسطَ أكوامٍ من الأسئلة، أهمّها: هل نًريد دولة قانون حقًّا، أم نُريد قانونًا يتوقّف عند باب البيت وعندَ كُلّ مكانٍ يجِد صعوبةً بالدُّخول إليه؟ هل نؤمن بكرامة الإنسان كقيمةٍ مُطلقة، أم ما زلنا نوزّعها وفق القربى والسلطة والنوع الاجتماعيّ؟ هذه الأسئلة ليست تنظيرًا؛ وإنّما هي دمٌ على أرض بيتٍ أردنيّ، وصوت امرأةٍ انطفأ قبل أوانه.

وأخيرًا، مِن المؤكّد أنَّ الكلمات لن تُعيد زينة، لكنّها قد تُنقذ غيرها. فإذا ما أردنا ذلك، فعلينا أن نسمّي العُنف باسمه، وأن نرفضَ تبريره، وأن نصرّ على أنَّ العدالة لا تعرف أخًا ولا قريبًا ولا “ظرفًا مخفّفًا” حين تُنتهك الحياة. في هذا الإصرار وحده يمكن أن يولد أملٌ صغير، يقول إن المجتمع الذي بكى زينة قادر، إذا أراد، أن يمنع تكرار المأساة.

قد يعجبك ايضا