كيف تحمي الصحافة مهنيتها أمام عاصفة «وثائق إبستين»؟

38

 

في كل مرة تُفتح فيها دفعة جديدة من وثائق قضية جيفري إبستين، يتكرر المشهد ذاته تقريبًا: موجة صدمة، أسماء تُتداول بسرعة البرق، ومنصات التواصل تتحول إلى محاكم شعبية تصدر أحكامها خلال دقائق. يكفي أن يظهر اسم ما في صفحة من مئات الصفحات حتى يُعامل كأنه إدانة نهائية. تختفي الفروق بين “ذُكر” و”اتهم” و”ثبت”، ويتحول السرد من خبر قضائي معقد إلى فضيحة جاهزة للاستهلاك الجماهيري.

المفارقة أن الصحافة الغربية المهنية لم تنجرّ إلى هذا الإيقاع المحموم. بل فعلت ما يبدو اليوم تصرفًا شجاعًا ونادرًا: تباطأت. قرأت الوثائق قبل أن تنشر عنها. وضعت سياقًا قبل الأسماء. وذكّرت جمهورها بحقيقة قانونية بسيطة: وجود اسم في وثيقة ليس حكمًا قضائيًا.

وكالة Associated Press كانت من أوائل من شددوا على هذه القاعدة بوضوح، موضحة أن المواد المنشورة تضم دفاتر عناوين وإفادات وشهادات ومراسلات، وأن غالبية الأسماء الواردة فيها لا تواجه اتهامات أصلاً. اللغة كانت باردة، قانونية، وربما “غير جذابة” للترند، لكنها تحمي جوهر العدالة. الأمر نفسه فعلته Reuters التي التزمت صياغات دقيقة من نوع “تذكر الوثائق” و”تشير الإفادات”، بدل العناوين القاطعة التي تُحوّل الإشارة إلى إدانة.

أما The New York Times فاختارت أن تشرح للقارئ طبيعة الوثائق نفسها: ما الذي تعنيه سجلات الاتصال؟ ماذا يعني أن يذكر شاهد اسمًا؟ كيف تُفهم المراسلات الشخصية؟ لم تكن المهمة تزويد الجمهور بقائمة أسماء، بل بتدريب القارئ على القراءة النقدية. وفي الاتجاه ذاته، قدّمت The Guardian و**El País** تغطيات تفسيرية تفصل بين الذكر العرضي والاتهام القضائي، وبين العلاقة الاجتماعية والاشتباه القانوني، وهو تفريق جوهري غالبًا ما يضيع في ضجيج السوشيال ميديا.

هذه الصحف لم تكن تدافع عن أحد، ولم تبرئ أحدًا، ولم تمنح صكوك براءة مسبقة. هي ببساطة دافعت عن شيء واحد: الحقيقة كما هي، لا كما يشتهيها الغضب العام. فالصحافة ليست جهازًا للعقاب الأخلاقي، بل أداة للمعرفة. ودورها ليس تأكيد أحكام الجمهور، بل اختبارها.

المشكلة أن السوشيال ميديا تعمل بمنطق معاكس تمامًا. هناك، الاسم وحده يكفي. الصدمة أهم من السياق. والسرعة أهم من الدقة. الخوارزميات تكافئ الإثارة لا التثبت، وتكافئ الاتهام لا التحليل. وفي هذا المناخ يصبح أسهل قرار تحريري هو إعادة نشر الأسماء كما هي، لأن ذلك يضمن التفاعل. لكن أسهل القرارات ليست بالضرورة أكثرها مهنية.

الاختبار الحقيقي للصحافة يبدأ حين تتعارض المهنية مع الشعبية. حين تعلم أن عنوانًا مثيرًا سيجلب آلاف النقرات، لكن صياغة متأنية ستخسر السباق. هنا يتحدد الفرق بين منصة تبحث عن “ترافيك” وجريدة تبحث عن ثقة. الصحف التي تباطأت في تغطية وثائق إبستين لم تفعل ذلك بدافع التعاطف مع أحد، بل بدافع الخوف من ظلم أحد.

وفي منطقتنا، للأسف، وقع بعض الخطاب في فخ آخر: تحويل القصة إلى معركة أيديولوجية. ظهرت محاولات لاستغلال الأسماء لإثبات “فساد الغرب” أو “انحلال العلمانيين” أو “سقوط النخب”. وهذا انزلاق لا يقل خطورة عن التهوّر الصحفي. فالانحراف سلوك فردي لا بطاقة هوية فكرية. والجريمة لا تثبت نظرية ثقافية. ولو فتحنا هذا الباب لصرنا نحاكم مجتمعات كاملة بجرائم أفرادها، وهو منطق لا يقبل به عاقل.

الدفاع عن المهنية هنا ليس دفاعًا عن أشخاص، بل عن مبدأ. ليس الهدف حماية سمعة أحد، بل حماية العدالة من أن تتحول إلى شائعة. فالاسم الذي يُدان اليوم بلا دليل قد يكون غدًا اسم صحفي أو أكاديمي أو مواطن عادي. وحينها لن نجد من يدافع عن حقه في سياق عادل.

ربما تخسر الصحافة المهنية بعض الخوارزميات، وربما تفوتها موجة التفاعل السريع. لكنها تكسب ما هو أثمن: الثقة طويلة الأمد. وفي زمن الفوضى المعلوماتية، قد تكون الثقة هي العملة الوحيدة المتبقية.

الدرس الذي تقدمه تجربة الصحف المتوازنة بسيط وواضح: حين ترتفع الضوضاء، لا تصرخ أكثر. اخفض صوتك… واقرأ جيدًا. فالحقيقة لا تحتاج صخبًا كي تكون مقنعة. تحتاج فقط إلى مهنية.

قد يعجبك ايضا