ثلاثة أيام عطلة للقطاع الحكومي… جسّ نبض أم تحوّل في فلسفة العمل؟

29

 

أثار تسريب دراسة الحكومة في الأردن لمقترح يقضي بتعطيل الدوائر الرسمية ثلاثة أيام أسبوعيًا، باستثناء قطاعي الصحة والتعليم، موجة واسعة من التساؤلات.
فهل نحن أمام مجرد جسّ للنبض وقياس لردود الفعل؟ أم أن الدولة تفكر فعلياً في إعادة تعريف شكل أسبوع العمل في القطاع العام؟

الفكرة بحد ذاتها ليست ترفاً إدارياً، بل قرار اقتصادي واجتماعي كبير. فأن تقلّص أيام الدوام يعني – نظرياً – خفض كلف التشغيل والطاقة والنقل، وتحسين التوازن بين العمل والحياة، وربما رفع الرضا الوظيفي. كما أن بعض التجارب العالمية تشير إلى أن تقليص أيام العمل قد يرفع الإنتاجية إذا ترافق مع تركيز أعلى وكفاءة أفضل، بدل ساعات حضور طويلة منخفضة الفاعلية.

لكن الوجه الآخر أكثر تعقيداً.

هل الجهاز الحكومي جاهز أصلًا للعمل بعدد أيام أقل بينما لا تزال الشكاوى قائمة من بطء الإجراءات وطول المعاملات؟
أليس الأجدى أولًا رفع كفاءة الأداء، وتبسيط الإجراءات، وقياس الإنتاجية، قبل تقليص الدوام؟
فالخطر أن يتحول القرار من “تحسين إنتاجية” إلى “تقليص خدمة”.

كما أن انعكاساته على سوق العمل ليست بسيطة. فإذا أصبح القطاع الحكومي بثلاثة أيام عطلة، فقد تزداد جاذبيته مقارنة بالقطاع الخاص، ما يوسع الفجوة بينهما ويزيد الضغط على الدولة لخلق وظائف جديدة بدل تحفيز الاستثمار والإنتاج، في وقت تعول فيه الدولة على القطاع الخاص ليكون حصاون طراودة في المرحلة المقبلة اقتصاديا.

ثم هناك البعد الاقتصادي الأوسع:
هل سيكون الأحد عطلة للتناغم مع الأسواق العالمية أم أنه قرار نابع من معطيات محلية تماماً؟ وهل دوام الأحد اليوم يعيق التواصل المالي والتجاري مع العالم؟
وهل يمكن أن تعوّض الخدمات الإلكترونية هذا الغياب الحضوري؟
والسؤال الأهم: هل بنيتنا الرقمية جاهزة فعلاً لتقديم خدمات حكومية متكاملة على مدار الساعة دون الحاجة إلى “شباك المراجعة”؟ التجربة تقول إن أمامنا الكثير لتكتمل حلقات الخدمات الالكترونية.

دول ومدن عدة جرّبت نماذج أسبوع العمل الأقصر، وبعضها حقق نتائج إيجابية في الرضا والإنتاجية، لكن نجاح التجربة كان دائماً مشروطاً بإصلاح إداري عميق، لا مجرد قرار تقويمي.

لذلك، المسألة ليست عدد الأيام بقدر ما هي كفاءة اليوم الواحد. فإذا لم نضاعف الإنتاجية، ونقيس الأداء، وننجز المعاملات أسرع… فلن يصنع يوم العطلة الإضافي فرقاً.

يعني قبل أن نقرر المضي في هذه الفكرة علينا أن نجيب عن التساؤل التالي:
هل نريد دولة تعمل أقل… أم دولة تنجز أكثر في وقت أقل؟

عبدالله بني عيسى

قد يعجبك ايضا