لماذا نشعر بالخجل من وجود القواعد الأجنبية في الأردن!
يحاول إعلام ما يُسمّى بـ”الممانعة” منذ سنوات أن يقدّم وجود قواعد عسكرية أجنبية في الأردن على أنه وصمة عار وطنية، وكأنها خيانة كبرى أو سقوط أخلاقي. ومع الوقت، نجح هذا الخطاب في زرع شعور بالخجل لدى كثيرين، حتى صار مجرد ذكر هذه القواعد يثير حرجاً، وكأن الأردن ارتكب خطيئة في حق العروبة والإسلام.
لكن الحقيقة أن هذا الشعور نابع، في جزء كبير منه، من قراءة عاطفية ومبتسرة للواقع، ومن تجاهل لطبيعة الجغرافيا القاسية التي نعيش فيها، ولحجم الإكراهات التي تفرضها السياسة في هذه المنطقة المعقدة من العالم.
هذه البقعة من الأرض لم تعرف الاستقرار في تاريخها. عقود متتالية من الانقلابات، والحروب، والمغامرات غير المحسوبة، دفعت الشعوب أثماناً باهظة. كما شهدنا خيانات صريحة لكل ما تغنّينا به من قيم الأخوة والتضامن والجوار.
بصراحة: متى كانت الجغرافيا هنا نعمة؟ ومتى تحولت شعارات العروبة إلى مشاريع تنمية وازدهار حقيقية؟ هل نستطيع أن نستحضر مثالاً واحداً نجح فيه العرب لأنهم جيران أو لأن بينهم وشائج مشتركة؟
للأسف، التاريخ يقول العكس تماماً. تاريخ مليء بالخذلان، وبالصراعات الصغيرة، وبالتربص بين الأشقاء قبل الأعداء. دول تتآمر على دول، وحدود تُستغل، وأزمات تُصنّع. يكفي أن تنظر حولك: خلافات مستدامة بين جيران يفترض أنهم أقرب الناس لبعضهم. ننام على فكرة الأخوّة، ونستيقظ على منطق الطعن في الظهر، انظروا كيف يَفجُر العرب في خصوماتهم ويستبيحون كل المحرمات بينهم وينزلقوا إلى أدنى درجات الانحطاط وهم ينتقدون بعضهم، وقد كانوا قبل يوم واحد يرفعون شعار الأخوة والجيرة والتعاضد والتعاون. إنه محيط خادع لا يؤتمن جانبه.
لهذا، الرهان على العواطف وحدها في هذه المنطقة يبدو نوعًا من السذاجة. مجتمعاتنا تقلبت بين المواقف والمصالح بسرعة مذهلة، وتبدلت تحالفاتها أكثر مما تبدلت فصول السنة. وليس من المريح أن نختبئ دائماً خلف شماعة “المؤامرة الكونية”. فالمجتمعات التي تنطلي عليها كل المؤامرات دون أن تتعلم أو تحصّن نفسها، لا تستحق البقاء.
الدولة ليست جمعية خيرية، ولا تدار بالشعارات. إدارة الدول فن الممكن، وتوازن دقيق بين الضغوط والمصالح والمخاطر. والأردن تحديداً يعيش في قلب منطقة مضطربة، محاطة بصراعات مفتوحة ومشاريع متناقضة. في مثل هذا الواقع، لا تُتخذ القرارات بدافع العاطفة، بل بمنطق حماية الأمن والاستقرار والاقتصاد.
والمفارقة أن من يزايد علينا اليوم بملف القواعد الأجنبية، هو ذاته من لا يجد حرجاً في الارتهان لمشاريع إقليمية أو طائفية أو أيديولوجية مقيتة، أثبتت التجربة أنها لم تجلب للمنطقة سوى الفوضى والانقسام.
شخصياً، كأردني، لا أشعر بالخجل من وجود قواعد أجنبية في بلادي. قد لا يكون الأمر مثالياً، لكنه أداة من أدوات السياسة الواقعية التي تستخدمها الدولة لحماية نفسها وسط محيط مشتعل، لا تملك أي دولة فيه ترف إعلان الحياد. أما الخطاب الشعبوي الذي يتحدث عن “الاستباحة” و”الارتهان” دون بدائل عملية، فهو مجرد ضجيج لا يحمي وطناً، ولا يرد خطراً، ولا يبني اقتصاداً.
والقواعد الأجنبية ليست ارتهاناً للأجنبي، بل مقاربة تحميل مصالح مشتركة تفيد كل الأطراف وبأسس صريحة وواضحة وباتفاقيات معلنة. وثمة دول كبرى واقتصاداتها أكبر من اقتصاد الأردن بمئة مرة، وجيشها كذلك، ومع ذلك لديها قواعد أجنبية وليست رهينة بيد أحد.
والأدهى أن بعض من يطالبوننا بالخجل اليوم، هم أنفسهم لن يترددوا لحظة في العبث بأمن البلد ومقدراته إذا سنحت لهم الفرصة، تحت شعارات قديمة وبراقة لكنها فارغة.
لذلك، لسنا بحاجة إلى خطب حماسية بقدر حاجتنا إلى قدر بسيط من الوعي… وشيء من الواقعية.
فالسياسة ليست مسابقة شعرية، بل مسؤولية ثقيلة اسمها: بقاء الدولة.
عبدالله بني عيسى
